عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب
استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026، بحسب النتائج الأولية. وانتزعوا مقاعد في ولايات اعتاد الجمهوريون الفوز فيها، بينها تكساس وآيوا وكانساس. إنها ضربة سياسية لدونالد ترامب في منتصف ولايته، وتعبير عن غضب ناخبين أثقلهم غلاء المعيشة وأثارت الحرب على إيران استياءهم.
داخل الولايات المتحدة، للفوز نتائج مباشرة. يستطيع الديمقراطيون تعطيل مشاريع جمهورية، وفتح تحقيقات في قرارات الإدارة، واستخدام صلاحياتهم في إقرار الإنفاق لفرض تفاوض على أولويات الموازنة. وتمسّ هذه المواجهة حياة الأميركيين، من الضرائب والرعاية الصحية إلى الهجرة. ويبقى ترامب في البيت الأبيض، ما يجعل تمرير أجندة تشريعية ديمقراطية خاضعاً للتفاوض أو لمواجهة الفيتو الرئاسي.
من العراق إلى ليبيا
في السياسة الخارجية، تكشف تجربة العقود الماضية عن قدر كبير من الاستمرار. الديمقراطيون والجمهوريون وجهان لسياسة تتعامل مع التفوق العسكري والاقتصادي الأميركي بوصفه وسيلة لفرض شروط واشنطن على الآخرين. ويختلف الحزبان في تقدير كلفة الحرب، وفي اختيار الحلفاء، وفي ترتيب العقوبات والتفاوض واستخدام القوة. وتُقاس أهمية هذه الاختلافات بما تغيّره على الأرض.
في تشرين الأول 2002، أقرّ مجلس الشيوخ تفويض استخدام القوة ضد العراق بـ77 صوتاً مقابل 23، بدعم من أعضاء في الحزبين. وبعد أشهر، بدأت إدارة جورج بوش الجمهورية الغزو. ويبيّن سجلّ التصويت حجم المسؤولية المشتركة عن قرار يُختصر عادة باسم الرئيس الذي نفّذه. وفي عام 2011، أمر باراك أوباما ببدء العمليات العسكرية الأميركية في ليبيا ضمن تدخل أجازه مجلس الأمن. ثم انتقلت قيادة العمليات إلى حلف شمال الأطلسي، واستمرت واشنطن في تقديم دعم استخباري ولوجستي وفي تنفيذ ضربات. اختلفت ظروف الحربين وطريقة إدارتهما، وأظهرت التجربتان استعداد إدارتين من حزبين مختلفين لاستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.
ويمتد هذا الاستمرار إلى ميادين أخرى. فرضت إدارة ترامب الأولى رسوماً على واردات صينية، وواصلت إدارة جو بايدن العمل بهذه الأداة ورفعت رسوماً على منتجات مختارة في 2024. وفي منطقتنا، وقّعت إدارة أوباما عام 2016 مذكرة للمساعدات الأمنية للكيان الإسرائيلي بقيمة 38 مليار دولار على عشر سنوات، وبدأ سريانها في عهد ترامب. في المثال الأول استمر الضغط الاقتصادي على منافس دولي، وفي الثاني انتقل التزام أمني طويل الأمد من إدارة ديمقراطية إلى إدارة جمهورية.
ماذا يعني الفوز لمنطقتنا؟
الملف الإيراني يبيّن حدود الاستمرار وحدود الاختلاف معاً. ففي عهد أوباما أبرمت واشنطن الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، ثم انسحب منه ترامب عام 2018 وأعاد فرض العقوبات. غيّر هذا القرار مسار التفاوض وأعاد الضغط الاقتصادي المباشر على طهران. واليوم، تستطيع الأغلبية الديمقراطية أن تسائل الإدارة عن أهداف الحرب وكلفتها، وأن تستخدم صلاحيات الكونغرس في الإنفاق للضغط عليها. ويتوقف أثر هذه المساءلة على القرارات التي تستطيع تمريرها والشروط التي تضعها على التمويل.
من لبنان وفلسطين إلى إيران، يُقرأ أثر الانتخابات حين تُطرح أمام الكونغرس اعتمادات عسكرية جديدة، وحين يصوّت على شروط تسليح الكيان الإسرائيلي، وحين يواجه قرار استمرار الحرب أو توسيعها. استعادة الديمقراطيين المجلسين تعطيهم القدرة على التأثير في هذه القرارات. أما الحكم على اتجاه السياسة الأميركية، فيبدأ عند التصويت عليها.






