مراقب لبنان والعرب والعالم
مقالات رأي

الكيان الإسرائيلي… انتخابات على شروط البقاء

عمر معربوني – رئيس تحرير موقع المراقب بمعزل عمّن يفوز في الانتخابات، سيبقى الكيان الإسرائيلي عدائياً ومتوحشاً، لارتباط هذا السلوك بطبيعة المشروع القائم على…

100%
عمر معربوني – رئيس تحرير موقع المراقب

بمعزل عمّن يفوز في الانتخابات، سيبقى الكيان الإسرائيلي عدائياً ومتوحشاً، لارتباط هذا السلوك بطبيعة المشروع القائم على احتلال الأرض واقتلاع أصحابها، مع ضرورة التمييز بين الخلاف على إدارة المشروع والخلاف على جوهره. فالقوى الصهيونية المتنافسة، ورغم حدّة اشتباكها الداخلي، تتقاطع في الحفاظ على تفوق الكيان، وإن اختلفت في تحديد الوسائل التي تضمن استمراره، وتوزيع الأعباء المترتبة على ذلك.
تأتي الانتخابات هذه المرّة في ظروف تتجاوز المنافسة التقليدية على رئاسة الحكومة، إذ تتداخل تداعيات الحروب مع الانقسام حول القضاء والتجنيد والدين، بما يجعل نتائجها مرتبطة بقدرة الكيان على إعادة إنتاج توازنه الداخلي. وهو أمر يفرض قراءة الصراع باعتباره مواجهة على شروط البقاء، لجهة استمرار القدرة على جمع مكوّنات تختلف في تعريف الكيان وفي تحديد الالتزامات المطلوبة لحمايته.
بالنسبة إلى نتنياهو، فإنّ الأولوية تتمثّل باستمرار سلطته، عبر تقديم نفسه ضمانة للأمن، وربط مصيره السياسي بمصير الكيان. غير أنّ هذه المناورة تصطدم بمسؤوليته السياسية عن الإخفاقات، وبحاجة حكومته إلى شركاء يفرض كلّ منهم شروطاً قد تتعارض مع حاجات الجيش والاقتصاد. ما يعني أنّ نجاحه في تأمين أغلبية لا يضمن قدرته على معالجة الأزمة التي أسهمت تحالفاته في تعميقها.
وفي مقاربة لمواقف اليمين الاستيطاني، تبدو الأرض محوراً تتفرّع منه بقية الأولويات، سواء لجهة توسيع المستوطنات أو فرض السيطرة أو تقليص القيود القانونية. غير أنّ التوسّع يفرض انتشاراً عسكرياً وتمويلاً وحماية مستمرّة، وهو ما ينقل نتائجه إلى البنية الداخلية. فكلّ مساحة يجري إخضاعها تتحوّل إلى التزام إضافي، يستدعي موارد قد يكون الكيان بحاجة إليها لترميم قدرته البشرية والاقتصادية.
ومن هنا، يمكن فهم الارتباط بين المشروع الاستيطاني ومحاولات تقليص سلطة القضاء، باعتبار أنّ المؤسسات القادرة على تعطيل القرارات تمثّل عائقاً أمام تنفيذ المشروع. وفي المقابل، ترى القوى المتمسّكة باستقلال القضاء أنّ إخضاعه للأغلبية الحكومية يفتح الطريق أمام تغيير قواعد النظام. وهكذا، تنتقل المواجهة من التنافس داخل المؤسسات إلى التنازع على طبيعتها وشرعيتها، بما يضعف قدرتها على احتواء الأزمات المقبلة.
أما بن غفير، فيستثمر في رفع منسوب التشدد لتعزيز موقعه داخل اليمين، وهو سلوك يجعل المزايدة جزءاً من صناعة القرار. فالتراجع عن الوعود يصبح مكلفاً أمام الجمهور، بينما يفرض تنفيذها التزامات تتجاوز قدرة أصحابها على ضبط نتائجها. وهذا يعني أنّ الحسابات الانتخابية قد تدفع باتجاه توسيع المواجهة، في وقت تحتاج المؤسسات إلى تقليص الاستنزاف وإعادة تنظيم الموارد المتاحة.
بالنسبة إلى الحريديم، فإنّ حماية المؤسسات الدينية ونمط الحياة تتقدّم على مقتضيات الاندماج العسكري، وهو ما يفسّر تمسّك قياداتهم بالإعفاء من التجنيد. غير أنّ هذا الموقف يصطدم بجمهور الاحتياط الذي يتحمّل الاستدعاءات المتكرّرة وتعطّل الأعمال وغياب الاستقرار العائلي. ومع استمرار الأعباء، يتحوّل الاعتراض إلى نزاع على عدالة توزيع التضحيات، وعلى حدود الامتيازات التي تؤمّنها الشراكة في الحكومة.
وهنا، تبرز مسألة أساسية في تقدير القدرة العسكرية، وهي أنّ التفوق التقني لا يلغي الحاجة إلى العنصر البشري ودورات التبديل والتعويض. فالاحتياط مرتبط بالاقتصاد والمجتمع، واستدعاؤه المتكرّر يستنزفهما معاً. وبالتالي، فإنّ توسيع المهمات من دون معالجة متطلبات استمرارها، يرفع كلفة الحرب ويعمّق الفجوة بين الأهداف السياسية والقدرة الفعلية على تحقيقها، مهما بلغ حجم النيران المستخدمة.
وفي الجهة المقابلة، تجمع المعارضة قوى تتباين في خلفياتها وأولوياتها، من اليمين القومي والعلماني إلى الوسط والتيار الليبرالي والقيادات العسكرية السابقة. وهي تلتقي على تغيير نتنياهو، مع استمرار اختلافها على مضمون المرحلة التالية. لذلك، لا يمكن اعتبار تقدّمها تحولاً تلقائياً في طبيعة المشروع العدواني، بل محاولة لإعادة ضبط آلياته وترميم مؤسساته، بما يسمح باستعادة الكفاءة وتقليص كلفة الانقسام.
أما الفلسطينيون في الداخل، فإنّ حضورهم يكشف تناقضاً إضافياً، لجهة احتساب أصواتهم والاعتراض على ترجمة وزنهم إلى تأثير فعلي في السلطة. فهم أصحاب أرض وحقوق وهوية وطنية، تتجاوز مطالبهم حسابات تشكيل الحكومات. غير أنّ قوى صهيونية تتعامل مع مشاركتهم باعتبارها تهديداً حين تعرقل أغلبيتها، أو ضرورة حسابية حين تحتاج إليها، بما يفضح حدود الشراكة التي يقبل بها الكيان.
وتأتي الضغوط الاقتصادية لتضاعف آثار هذه التناقضات، إذ يرتبط الإنفاق العسكري بتعطّل الإنتاج وأعباء الخدمة وارتفاع مطالب المجتمع. وكلّما اتّسعت المسافة بين الوعود الرسمية والحياة اليومية، تراجعت قدرة الخطاب الأمني على احتواء الاعتراض. ومع انتقال الخصومة إلى القضاء والحكومة والمؤسسات، تتقلّص الأدوات القادرة على إنتاج التسويات، وتتقدّم العصبيات والمصالح الفئوية على مقتضيات التماسك العام.
إنّ ما يحصل يندرج ضمن تراكم عوامل الانهيار، من الاستنزاف البشري والاقتصادي إلى التنازع على الشرعية وتآكل الثقة، مع ضرورة عدم تحويل هذا التقدير إلى توقيت حتمي للسقوط. فالكيان ما زال يمتلك عناصر قوة، لكن استمرار العدوان والتوسّع يضاعف الأعباء الواقعة عليها. ومن هنا، تصبح الانتخابات اختباراً لما تبقّى من قدرة على ترميم شروط البقاء، في مواجهة تناقضات قد تجعل القوة نفسها أداة لتعميق الاستنزاف، وتدفع مسار التفكّك من الاحتمال إلى التحقّق.

observerme.net — متابعة الخبر
فريق التحرير
بقلم

عمر معربوني

رئيس تحرير موقع المراقب - باحث في الشؤون العسكرية والسياسية - خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية . له العديد من الدراسات ويشارك ويكتب في عدة مواقع .. بدأ العمل الاعلامي سنة 2013 ويظهر على عشرات الفضائيات اللبنانية والعربية والعالمية .

جميع مقالات الكاتب ←