عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب
تأتي التهديدات الأميركية بشن هجوم على إيران لعدة أيام في ظروف تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية مع محاولات فرض تسوية سياسية بشروط أميركية. وعلى الرغم من ارتفاع منسوب التهديد، فإن السؤال الأساسي يبقى مرتبطاً بما يمكن أن تحققه الحملة، وبقدرة واشنطن على منع انتقالها إلى مواجهة تتجاوز المدة والأهداف التي تضعها مسبقاً.
بالنسبة إلى الهجوم المحتمل، تبدو الغاية الأميركية واضحة لجهة محاولة تحويل التفوق العسكري إلى تنازلات سياسية، عبر إلحاق أضرار مركزة بالقدرات الإيرانية، ثم إتاحة مخرج مشروط بالاستجابة للمطالب الأميركية. وهي مقاربة تفترض أن زيادة الضغط ستدفع طهران إلى التراجع، مع ضرورة توضيح مسألة أساسية، وهي أن قدرة الأميركي على التدمير لا تعني بالضرورة قدرته على إخضاع القرار الإيراني.
وخلال الأسبوع الأخير، عكست التهديدات المتبادلة هذا الخلاف في الحسابات. ففي مقابل التلويح الأميركي باستكمال المهمة، جاءت المواقف الإيرانية لتؤكد أن أي اعتداء سيقابله رد، وأن الجولة المقبلة قد تختلف عن سابقاتها في المدى والشدة. وهذا يعني أن طهران تحاول التأثير في قرار الهجوم، عبر إسقاط التصور القائل بإمكان تنفيذ حملة قصيرة تنتهي بإعلان أميركي من جانب واحد.
وهنا، أودّ الإشارة إلى قاعدة أساسية في تقدير الموقف، وهي أن مدة العملية العسكرية لا تُقاس بالبرنامج الذي يضعه الطرف المهاجم وحده، بل بقدرة الطرف المستهدف على مواصلة القتال. فقد تنتهي الأيام المحددة للقصف، فيما تبقى لدى إيران وسائل للرد، وهو أمر يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة قبول نتائج أقل من أهدافها، أو الانتقال إلى توسيع الحملة.
إن اعتماد حملة مكثفة لعدة أيام قد يلحق بإيران أضراراً كبيرة، وهو أمر لا يجوز التقليل منه، خصوصاً مع الفارق في القدرات الجوية والاستطلاعية. لكن تقدير النتائج يفرض التمييز بين تدمير منشآت وبين تعطيل القدرة على اتخاذ القرار والاستمرار بالمواجهة. فإذا حافظت الدولة على تماسكها، واحتفظت القوات بقدرة مؤثرة على الرد، فإن تحقيق الإصابات لا يكفي وحده لإعلان إنجاز المهمة.
ومن هنا، يمكن مقاربة الرد الإيراني على أساس منع تثبيت معادلة تمنح واشنطن حرية الهجوم المتكرر. فقبول ضربة من دون كلفة مقابلة قد يشجع على تكرارها، بينما يهدف الرد إلى جعل القرار التالي أكثر صعوبة. وهذا لا يعني أن طهران تملك ضمانة للنجاح، بل يعني أن حساباتها قد تدفعها إلى تحمل خسائر إضافية إذا رأت أن التراجع سيعرّضها لضغوط أشد مستقبلاً.
وفي الميدان العسكري، يرجح أن تبحث إيران في فرض الكلفة أثناء استمرار الحملة، وفق ما يتوافر لديها من قدرات، بدلاً من انتظار انتهائها. وتبقى المصالح العسكرية الأميركية في المنطقة ضمن احتمالات الرد، فيما يتوقف اتساع المواجهة مع الكيان الإسرائيلي على دوره ومشاركته. وكلما تعددت الأطراف والساحات، ازدادت صعوبة إبقاء الحرب ضمن حدودها الأولى.
أما في البعد الاقتصادي، فإن الجغرافيا تمنح المواجهة تأثيراً يتجاوز طرفيها. فتهديد الملاحة، حتى من دون وقفها كلياً، يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في قرارات الشركات والأسواق. وقد تسعى طهران إلى استخدام هذا التأثير لزيادة الضغط باتجاه وقف الهجوم، مع الاعتراف بأن توسيع الكلفة الاقتصادية قد يرتد عليها، ويدفع أطرافاً إضافية إلى مواجهتها.
وفي ما يرتبط بالدول العربية، فإن الخطر يكمن في انتقال المواجهة إلى المرافق الحيوية ومصادر الدخل والخدمات الأساسية. وهي مسألة تفرض العمل لمنع استخدام أراضي المنطقة في توسيع الحرب، وحماية المجتمعات من نتائجها. فالمكاسب التي يتوخاها أصحاب قرار الهجوم لا تلغي أن الأضرار قد تتوزع على دول وشعوب لا تملك قرار بدايته أو نهايته.
بناءً على ذلك، تبقى طبيعة الأهداف العامل الأكثر تأثيراً في تحديد شكل الرد. فحملة تستهدف قدرات محددة وتترك مجالاً للتسوية تختلف عن هجوم تفهمه القيادة الإيرانية باعتباره محاولة لتعطيل الدولة أو تهديد بقائها. وفي الحالة الثانية، قد تتراجع القيود على الرد، وتنتقل المواجهة من تبادل ضربات محسوبة إلى صراع أوسع على القدرة على الاستمرار.
لا شك في أن الولايات المتحدة تستطيع بدء حملة كبيرة، لكن السؤال الذي سيواجهها لاحقاً هو ما إذا كانت تستطيع إنهاءها من دون تحقيق شروطها. فإذا بقيت إيران قادرة على الرد، فقد يتحول الهجوم القصير إلى مدخل لاستنزاف طويل، وتصبح القوة المستخدمة عبئاً سياسياً على صاحبها. وهذا هو جوهر المعضلة: أن تتحول محاولة فرض قواعد أميركية للمواجهة إلى سبب لتغييرها، إذا أخطأت واشنطن في تقدير ما يستطيع الطرف المقابل تحمله وفعله.






