مراقب لبنان والعرب والعالم
مقالات رأي

ضربة أرامكو: تفوّق يمني يكشف المأزق السعودي ؟!

عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب تلقّت السعودية ضربة جديدة استهدفت مقر أرامكو في الظهران، في جولة مواجهة تتسع فيها قدرة القوات المسلحة…

 

عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب

تلقّت السعودية ضربة جديدة استهدفت مقر أرامكو في الظهران، في جولة مواجهة تتسع فيها قدرة القوات المسلحة اليمنية على الوصول إلى العمق السعودي، وتظهر معها صعوبة حماية المنشآت التي تقوم عليها قوة المملكة الاقتصادية. وبين الرواية السعودية التي تحدثت عن حريق محدود والتقارير التي أشارت إلى أضرار واسعة، يبقى الثابت أنّ الهجوم وصل إلى موقع شديد الأهمية، وهو ما يضع القيادة السعودية أمام نتائج تتجاوز حجم الأضرار المباشرة إلى ما يرتبط بقدرتها على إدارة المواجهة وتأمين الداخل.

وللإحاطة بما جرى، لا بدّ من العودة إلى التحذير اليمني الذي سبق الضربة، حيث أُعلن عن استهداف منشآت لأرامكو ومطار الملك خالد في حال تعرّض صنعاء للقصف، مع دعوة المدنيين والعاملين إلى الابتعاد عن المواقع المهددة. وهذا أمر كبير الأهمية في البعد العسكري، لأنّ الطرف المدافع كان على معرفة ببعض الأهداف المحتملة، بما يسمح له برفع الجاهزية وتركيز وسائل الحماية، ومع ذلك لم يستطع منع وصول الهجوم إلى أرامكو.

من هنا، فإنّ القوات المسلحة اليمنية استطاعت أن تمنح تحذيرها قيمة فعلية، وأن تثبت قدرتها على تنفيذ ما تهدد به، وهو عامل أساسي في بناء الردع وتطويره. فالقيادة السعودية ستكون مضطرة بعد هذه الضربة إلى التعامل مع التحذيرات القادمة انطلاقاً من تجربة حصلت، ومن عجز ظهر في حماية موقع يفترض أنّه يحظى بأولوية كبيرة، ما يرفع مستوى الضغط عليها عند اتخاذ أي قرار جديد بالتصعيد.

أما بالنسبة إلى حجم السلاح الذي تمتلكه السعودية، فإنّ ما جرى يعيدنا إلى مسألة سبق أن ظهرت في مواجهات كثيرة، وهي أنّ امتلاك القوى والوسائط لا يكفي لتحقيق التفوق ما لم تتوافر القدرة على استخدامها بما يحقق المهمة المطلوبة. والمهمة هنا كانت حماية المنشأة، وهي مهمة لم تتحقق بالصورة التي كانت الرياض تحتاج إليها، رغم الإنفاق الكبير على الطيران والدفاع الجوي والتجهيزات المرتبطة بالإنذار والمراقبة.

وهذا يعني أنّ التفوق اليمني في هذه الجولة يمكن قراءته من خلال النتيجة المباشرة: قدرة على الوصول إلى الهدف مقابل إخفاق في حمايته. ولا يحتاج الأمر إلى افتراض انهيار كامل للدفاعات السعودية حتى نفهم حجم المأزق، فاختراق الحماية حول منشأة بهذه الحساسية يكفي لفرض أعباء عسكرية وسياسية إضافية، ويطرح على القيادة السعودية أسئلة يصعب تجاوزها ببيانات التقليل من الأضرار.

والأمر الأهم يرتبط بطبيعة الهدف، فأرامكو تمثل مورداً أساسياً للدخل السعودي، وترتبط بها مصالح وشراكات واسعة، ما يجعل أي تهديد لها مؤثراً في حسابات تتجاوز حدود الموقع المصاب. ومع استمرار احتمال الاستهداف، تصبح المملكة أمام حاجة دائمة إلى تعزيز الحماية وتوزيع الدفاعات ورفع الاستعداد، وهي إجراءات تستهلك الإمكانات وتزيد القلق، حتى في الفترات التي لا تقع فيها ضربات جديدة.

في المقابل، استطاعت القوات المسلحة اليمنية أن تستخدم إمكاناتها في اتجاه يضع الطرف السعودي تحت ضغط مستمر. فالفارق الكبير في التسليح لم يمنعها من امتلاك قدرة مؤثرة في المواجهة، ومن نقل جزء من أعباء الحرب إلى الداخل السعودي. وهو تحوّل يفرض على الرياض إعادة النظر في اعتقادها أنّ امتلاك فائض القوة يمنحها حرية القصف من دون أن تتعرض منشآتها ومصالحها لردّ يرفع كلفة الحرب عليها.

وربطاً بهذه النتيجة، فإنّ استمرار التصعيد السعودي قد يوسّع المشكلة بدلاً من احتوائها. فإذا كانت الغارات تهدف إلى إضعاف قدرة اليمنيين على الرد، بينما يستمر وصول الهجمات إلى مواقع حساسة، نكون أمام إخفاق في تحقيق الغرض من التصعيد، وأمام قدرة يمنية على الاحتفاظ بالمبادرة في اختيار أهداف تضغط على القرار السعودي وتزيد صعوبة الاستمرار بالنهج نفسه.

وهنا يصبح السؤال عن الخيارات المتاحة أمام الرياض، خصوصاً أنّ حماية المنشآت النفطية والمطارات وسائر المرافق تحتاج إلى جهد متواصل على امتداد جغرافيا واسعة. فكلما تعددت المواقع المهددة، ازدادت صعوبة توزيع وسائل الدفاع، وباتت القيادة أمام مفاضلات قاسية بين أولويات الحماية، وهو ما يمنح الطرف المهاجم فرصة للبحث عن الثغرات واستخدامها في جولات لاحقة.

انطلاقاً من ذلك، أرى أنّ ضربة أرامكو كشفت تفوقاً يمنياً في تنفيذ الهجوم، وعجزاً سعودياً عن منع الإصابة، وأظهرت أنّ مواصلة الحرب تحمل مخاطر متزايدة على المملكة نفسها. والمطلوب من القيادة السعودية أن تقرأ هذا التحول بجدية، وأن تبادر إلى التواصل مع صنعاء لوقف التصعيد والوصول إلى اتفاق واضح يحترم السيادة اليمنية وينهي التدخل في شؤون اليمن، ويوفر ضمانات متبادلة لأمن السكان والمنشآت المدنية. فكل تأخير في المراجعة سيضيف خسائر جديدة، بينما تبقى فرصة الخروج السياسي متاحة لمن يمتلك شجاعة اتخاذ القرار.

 

 

observerme.net — متابعة الخبر
فريق التحرير
بقلم

عمر معربوني

رئيس تحرير موقع المراقب - باحث في الشؤون العسكرية والسياسية - خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية . له العديد من الدراسات ويشارك ويكتب في عدة مواقع .. بدأ العمل الاعلامي سنة 2013 ويظهر على عشرات الفضائيات اللبنانية والعربية والعالمية .

جميع مقالات الكاتب ←