مراقب لبنان والعرب والعالم
مقالات رأي

عمر معربوني |استحوا… من عيّنكم ناطقين باسم غرفة العمليات؟

عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب «اللي استحوا ماتوا». «هيدي» العبارة خطرت ببالي وأنا أسمع محللاً يحدّد ساعة بدء الحرب على إيران بالواحدة…

100%

عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب

 

«اللي استحوا ماتوا». «هيدي» العبارة خطرت ببالي وأنا أسمع محللاً يحدّد ساعة بدء الحرب على إيران بالواحدة واثنتي عشرة دقيقة، في إحدى الليالي. لاحظوا معي هذه الدقة العجيبة. الليلة مجهولة، لكن الدقيقة معروفة! قبل أيام، سأل صحافي دونالد ترامب عن احتمال تنفيذ هجوم جديد، فردّ عليه بما معناه «هل تعتقد فعلاً أنني سأخبرك إذا كنت سأنفّذ الهجوم؟». ترك ترامب الباب مفتوحاً بين الضربة والاتفاق. أما ضيوف الشاشات، فأكملوا عنه ما امتنع عن قوله، وحدّدوا الأهداف ورتّبوا موجات القصف ووزّعوا أيام الحرب.

في المقطع الأول، يبدأ السيناريو بالتشويش على الرادارات الإيرانية، ثم ضربها، ثم استهداف الدفاعات الجوية. وبعدها يأتي دور ثمانٍ وستين محطة لتوزيع الكهرباء، وثمانية وستين جسراً، ومنشآت نووية ومحطات وقود. وتصل الرواية إلى السيطرة على مضيق هرمز ومصفاة عبادان خلال حملة تستمر خمسة أيام. وهنا سألت المذيعة ضيفها من أين جاء بهذه التفاصيل. أحالها إلى تمرين في كلية عسكرية أميركية. «طيّب»، سلّمنا بوجود التمرين. أين الدليل على أن ما جرى بحثه في قاعة الدرس اعتُمد في واشنطن؟ وكيف وصلت ساعة التنفيذ من قيادة العمليات إلى الاستوديو؟

وفي المقطع الثاني، يجزم محلل آخر بأن ترامب وقّع على عمل عسكري كبير يبدأ بعد انتخابات التجديد النصفي بأيام. ويحدّد للحملة سبعة أيام تشمل ضرب فوردو بقنابل خارقة للتحصينات، واستهداف مصانع الصواريخ ومخازنها ومنصاتها، وتنفيذ اغتيالات في سياق محاولة إسقاط النظام من الداخل. كل هذه الرواية تبدأ من عبارة «ترامب وقّع». على ماذا وقّع؟ هل طلب إعداد خيارات، أم وافق على خطة، أم أصدر أمر التنفيذ؟ من يقفز فوق هذه الأسئلة يستطيع أن يحوّل أي ورقة على مكتب الرئيس إلى حرب كاملة، ويبيع الجمهور تفاصيلها قبل أن تقلع طائرة واحدة.

في العمل العسكري، يُبنى جدول الضربات على تقديرات، وتُراجع هذه التقديرات مع تطوّر المعركة. إذا تعذّر التأكد من إصابة رادار أو بقيت بطارية دفاع جوي قادرة على العمل، فقد يتغيّر مسار الطائرات وتتأخّر الموجة التالية. وإذا ضُرب مخزن للصواريخ، يبقى عليك أن تعرف ما كان داخله، وما نُقل منه، وما تستطيع الوحدات الأخرى إطلاقه. وفي منشأة محصّنة تحت الأرض، يمكن أن ترى أثر الضربة عند المدخل وتبقى بحاجة إلى معلومات لتقدير الضرر في الداخل. أمّا في روايات الاستوديو، فتكفي تسمية القنبلة حتى يعلن الضيف نتيجة الضربة سلفاً.

ثم إن السيطرة على مضيق هرمز ومصفاة عبادان تُطرح كأنها بند أخير في لائحة مشتريات. تستطيع قوة بحرية أن ترافق سفناً أو تعترضها في المضيق، لكن فرض سيطرة مستمرة يتطلب حماية القوة وإمدادها والتعامل مع الرد من البحر والساحل. والسيطرة على مصفاة تفتح أسئلة أخرى عن القوات التي ستدخلها وكيف ستبقى فيها. عند هذه النقطة، أسأل من حدّد الأيام الخمسة أو السبعة أين وضع الرد الإيراني في حسابه؟ يبدو أن المطلوب من الإيرانيين، وفق هذا السيناريو، أن ينتظروا دورهم حتى ينتهي الضيف من شرح الخريطة.

هنا تؤدي هذه الروايات وظيفة في الحرب النفسية. حين يسمع الجمهور أن الدفاعات ستُشلّ والصواريخ ستُمحى والمضيق سيُحتل في أيام، يترسّخ لديه انطباع بأن النتيجة حُسمت. وقد يكفي السباق على الظهور لإنتاج هذا الأثر. الضيف يكسب مقطعاً رائجاً، فيما يتصل أب بابنه في الخليج ليسأله إن كان عليه العودة، وتفكّر عائلة في إلغاء سفرها. ولهذا تتحمّل القناة مسؤولية ما تضعه في العنوان وما تترك ضيفها يجزم به، خصوصاً حين تعرف أن الجمهور سيتصرف على أساس ما سمعه.

من حق أي محلل أن يرجّح تجدّد الحرب، ومن واجبه أن يبيّن على أي معطيات بنى ترجيحه. أمّا حين يحدّد الساعة والهدف ومدة القتال ثم يحيلنا إلى تمرين عسكري لإثبات كلامه، فهذا في رأيي «تفنيص» تلفزيوني واستخفاف بعقول الناس. وحتى لو وقعت حرب لاحقاً وأُصيب هدف ورد اسمه في المقابلة، يبقى لكل ادّعاء حسابه. فمن قال إن القرار وُقّع، عليه أن يشرح كيف عرف. ومن أعطانا عدد الجسور، عليه أن يبيّن مصدر الرقم. و«اللي» قال الواحدة واثنتي عشرة دقيقة، «يتفضّل يخبرنا كيف عرف هالدقيقتين». وإذا كان كل ما لديه تمريناً قديماً وثقة زائدة أمام الكاميرا، فليقل للناس إنه يقدّم تخميناً. عندها يستطيع المشاهد أن يسمعه ويحكم عليه، من دون أن يضبط المنبّه على موعد الحرب.

observerme.net — متابعة الخبر
فريق التحرير
بقلم

عمر معربوني

رئيس تحرير موقع المراقب - باحث في الشؤون العسكرية والسياسية - خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية . له العديد من الدراسات ويشارك ويكتب في عدة مواقع .. بدأ العمل الاعلامي سنة 2013 ويظهر على عشرات الفضائيات اللبنانية والعربية والعالمية .

جميع مقالات الكاتب ←