عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب
لا يمكن فصل لقاء طهران، الذي جمع مسؤولين إيرانيين وممثلي السعودية وتركيا وباكستان، عن التحولات التي تفرضها المواجهات على دول المنطقة. فالاجتماع يأتي في لحظة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالمصالح الاقتصادية، ويصبح البحث عن مخرج سياسي ضرورة تفرضها كلفة الاستمرار في الصراع، واحتمالات توسعه إلى ساحات يصعب ضبط إيقاعها أو توقع نتائجها.
من هنا، فإن قراءة اللقاء تحتاج إلى تجاوز الصورة البروتوكولية نحو الظروف التي دفعته إلى الانعقاد. السعودية معنية بأمنها وحدودها ومنشآتها، وإيران معنية بمنع عزلها واستهدافها، فيما تدرك تركيا وباكستان أن اتساع المواجهة سيضعهما أمام التزامات وتحديات إضافية. وهذه المصالح، رغم اختلاف منطلقاتها، توفر مساحة يمكن البناء عليها إذا توافرت الإرادة لترجمتها إلى خطوات.
الاتفاق المعلن على مواصلة المشاورات لا يعني أن الخلافات وجدت طريقها إلى الحل، لكنه يؤكد أن الأطراف ترى فائدة في استمرار الحوار. والأهم هنا أن دول حلف مكة ذهبت إلى طهران لمناقشة الأمن الإقليمي مباشرة، بما يفتح المجال أمام اختبار إمكانية الجمع بين الالتزامات الدفاعية والتفاهم السياسي مع إيران.
وهذا يقود إلى مسألة أساسية تتعلق بمفهوم الأمن نفسه. فالتفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يلغي قدرة الطرف المقابل على إلحاق الضرر، ولا يضمن حماية الاقتصاد والمرافق الحيوية من تداعيات الحرب. وقد تستطيع دولة اعتراض عدد كبير من الصواريخ والمسيّرات، لكنها تبقى مضطرة إلى الإنفاق والاستنفار، فيما يتأثر الاستثمار والنقل والتجارة باستمرار التهديد.
بناءً عليه، تصبح التسوية امتداداً لحسابات القوة والمصلحة. فالسعودية تحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ مشروعاتها، وإيران تحتاج إلى علاقات إقليمية تخفف الضغوط وتفتح فرص التعاون. وعندما يدرك الطرفان أن استنزاف الجار يرتب عليهما كلفة مباشرة، يمكن الانتقال إلى البحث عن ضمانات متبادلة، تحفظ السيادة وتمنع الاعتداء وتحد من احتمالات سوء التقدير.
لكن تحويل هذا الإدراك إلى ترتيبات دائمة يحتاج إلى أكثر من إعلان النوايا. المطلوب تحديد المخاوف، ووضع التزامات واضحة، وإنشاء قنوات اتصال قادرة على العمل أثناء الأزمات. فالحادث العسكري المحدود قد يتحول إلى مواجهة واسعة إذا غابت آلية التحقق، أو جرى التعامل معه تحت ضغط الاتهامات والردود المتسرعة.
في هذا السياق، تبرز إمكانية مشاركة مصر في اجتماعات لاحقة، باعتبارها احتمالاً تفرضه المصالح والجغرافيا، من دون وجود قرار معلن بذلك. فالقاهرة معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، ولا تستطيع التعامل مع اضطراب الملاحة باعتباره تطوراً بعيداً عن أمنها القومي أو مواردها الاقتصادية.
ويمكن للحضور المصري أن يمنح الحوار امتداداً أوسع، خصوصاً إذا ارتبط بحماية الملاحة ودعم التسويات. كما أن المشاركة في هذا المسار لا تستلزم الانضمام إلى اتفاق دفاع مشترك. تستطيع مصر المساهمة من موقعها، والجمع بين دعم أمن السعودية والعمل لمنع اتساع الحرب، بما يحفظ مصالحها ويعزز قدرتها على التأثير في الترتيبات الإقليمية.
أما اليمن، فيبقى أحد أهم الاختبارات العملية لأي تفاهم ينتج عن هذه الاجتماعات. فاستمرار الحرب بين اليمن والسعودية يعني بقاء جبهة قادرة على استنزاف الطرفين وتهديد فرص الاستقرار. ولذلك، فإن الحديث عن أمن إقليمي يحتاج إلى معالجة هذه الحرب، عبر تفاوض يتناول أسبابها ومطالب أطرافها، ويقدم التزامات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
وهنا، يمكن لإيران المساعدة في تهيئة ظروف التهدئة، لكن الوصول إلى تسوية يحتاج إلى مشاركة اليمنيين أنفسهم. فعلاقة قوات صنعاء لا تلغي حساباتها أو مطالبها، ولا تسمح بافتراض أن قرارها يمكن حسمه خارج اليمن. وأي مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة ستجد صعوبة في إنتاج اتفاق يصمد أمام الاختبار.
أمن المدن والمنشآت والحدود السعودية يجب أن يتكامل مع أمن اليمنيين، وحقهم في التجارة والحركة والخدمات وإعادة الإعمار. ويمكن البدء بوقف متبادل للهجمات، ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية والأسرى، ثم الانتقال إلى ترتيبات أوسع. وهذه خطوات مقترحة لمسار التسوية، وليست نتائج معلنة للقاء طهران.
أما تصفير المشاكل، فيمكن فهمه باعتباره ضبطاً للخلافات ومنعاً لتحولها إلى صدامات. فالدول ستبقى مختلفة في مصالحها وعلاقاتها، لكنها تستطيع الاتفاق على قواعد تحمي المدنيين والمنشآت والممرات البحرية. وكل تقدم اقتصادي يلمسه الناس يمنح التهدئة قوة إضافية، لأنه يرفع كلفة العودة إلى الحرب على الجميع.
وتبقى القضية الفلسطينية والاعتداءات على لبنان واحتمالات التصعيد الأميركي والإسرائيلي حاضرة في معادلة الأمن. فتفاهم دول المنطقة يمنحها قدرة أكبر على تنسيق المواقف، وحماية مصالحها، وتقليل فرص استدراجها إلى مواجهات تستنزف مواردها، من دون أن يلغي الحاجة إلى معالجة مصادر التوتر الأساسية.
لقاء طهران يفتح احتمال الانتقال من توازن يضبطه الخوف إلى توازن تدعمه المصالح. ونجاحه سيُقاس بما يتبعه من تراجع للهجمات وتقدم للتفاوض. فإذا اتسعت المشاركة، وحضر اليمنيون في التسوية، فقد تبدأ المنطقة ببناء أمن أكثر استقراراً، تملك دولها دوراً أساسياً في صياغته وحمايته.






