فطس في الدار كلبٌ فاسترحنا من عواهْ
خلّف الملعون جرواً فاق في النبح أباهْ
من يعوّل على تولّي غادي آيزنكوت قيادة إسرائيل، باعتباره بوابة للخلاص من نهج بنيامين نتنياهو، عليه أن يعود قليلاً إلى سجل الرجل. فهذا هو الذي أعلن عام 2008 «عقيدة الضاحية»، وقدّم التدمير الواسع واستخدام القوة غير المتناسبة باعتبارهما وسيلة لفرض الردع. لم يكن يتحدث بصفة معلّق سياسي، بل بصفته قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، مستنداً إلى ما تعرّضت له الضاحية الجنوبية لبيروت خلال حرب تموز 2006.
والدقة هنا ضرورية: آيزنكوت لم يخترع وحده كل الأفكار التي قامت عليها هذه العقيدة، لكنه كان صاحب إعلانها العسكري الأبرز، وأحد الذين منحوا منطق التدمير صياغته الواضحة. لذلك، فإن تقديمه بوصفه نقيضاً لسياسة سحق المجتمعات يتطلّب تجاهل ما قاله هو نفسه، وما طرحه باعتباره أسلوباً لإدارة الحرب.
جوهر هذه العقيدة أن تتجاوز النيران ملاحقة المقاتل ومنصّة الصواريخ، لتطال المنطقة التي ينطلق منها القتال، وتُحمّل المجتمع كلفة هائلة يُراد لها أن تؤثر في قراره السياسي. وقد شرح آيزنكوت أن القرى المعنية ستُعامل باعتبارها قواعد عسكرية، متوعداً بإلحاق دمار كبير بها. وهنا مكمن الخطورة: توسيع مفهوم الهدف العسكري حتى تصبح منطقة مأهولة بأكملها جزءاً من معادلة الردع.
أما الربط بغزة، فله أساس موثّق يسبق الحرب الأخيرة بسنوات طويلة. ففي تقرير بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن حرب غزة 2008–2009، ربطت البعثة بين نمط العمليات الإسرائيلية و«عقيدة الضاحية»، وخلصت إلى أن ما طُرح بوصفه استراتيجية بدا أنه وُضع موضع التطبيق. أي إن الحديث عن انتقال هذا المنطق من لبنان إلى غزة يستند إلى تقييم أممي تناول الوقائع الميدانية وآثارها على السكان والممتلكات والبنية التحتية المدنية.
من هنا، يصبح السؤال لمن يراهن على آيزنكوت: ما الذي تبدّل في تصوّره لأمن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين وسيادة لبنان؟ وأين الموقف الواضح الذي يراجع فيه هذا المنطق ويتخلّى عنه؟ فالخلاف مع نتنياهو، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده ليمنح صاحبه شهادة اعتدال، ولا يمحو سجلاً عسكرياً وسياسياً.
قد يختلف قادة إسرائيل على توقيت الحرب، وطريقة إدارتها، وكلفة استمرارها، وشكل العلاقة مع الحلفاء. وهذه خلافات تستحق القراءة، لأن نتائجها قد تؤثر في الميدان وفي فرص وقف القتال. لكن تحويل كل خلاف داخلي إلى وعد بتغيير جذري في التعامل معنا هو قفزة لا تسندها الوقائع. فثمة فرق بين من يعترض على الحرب لأنه يرفض أهدافها، ومن يعترض لأنه يرى أن إدارتها تعرقل تحقيق تلك الأهداف.
في القراءة العسكرية، يُقاس القائد بما يحدده من أهداف، وبالوسائل التي يجيز استخدامها، وبالكلفة التي يقبل فرضها على المدنيين لتحقيق غاياته. ومن سبق له أن قدّم تدمير المناطق المأهولة وسيلةً للردع، لا يصبح صاحب مشروع سلام لمجرد أنه يقف في مواجهة خصم سياسي داخل إسرائيل.
ولهذا، فإن التعويل على الأسماء قبل فحص السياسات يعيد إنتاج الوهم نفسه كل مرة. المطلوب قراءة أي تبدّل في القيادة من خلال قرارات ملموسة: وقف الاعتداءات، واحترام السيادة، وإنهاء الاحتلال، والإقرار بالحقوق. عندها فقط يمكن الحديث عن تغيير يستحق التقييم.
أما أن ننتظر من صاحب الإعلان الأبرز لـ«عقيدة الضاحية» أن يمحو آثارها لمجرد وصوله إلى موقع أعلى، فذلك رهان يحتاج إلى دليل أكبر بكثير من خلافه مع نتنياهو. الشعوب التي دفعت ثمن هذه العقيدة ببيوتها وأرواح أبنائها، من حقها أن تحاكم أصحابها بسجلّهم وأفعالهم، وأن تطلب تغيير السياسة قبل أن تصدّق تغيير الوجوه.






