ليندا حمورة | كاتبة وباحثة لبنانية
نعيش اليوم في حقبة زمنية شديدة القسوة، حقبة لا تشبه سابقاتها في إيقاعها المجنون، حيث تحوّل الوجود الإنساني فيها من طمأنينة الكائن إلى لهاث محموم خلف لقمة العيش، وحروب صامتة نخوضها بصمت مع السنوات والأنفاس كي نبقى واقفين دون منّةٍ من أحد. في هذا الصخب المادي العارم، حيث تتآكل الأعصاب وتضيق الصدور، ننسى أننا نمشي على وجه الأرض ومعنا أثقال باطنية لا تزنها الجبال. من هنا يبرز ذلك المشهد الوجودي العميق؛ حين كان أحدهم يقود سيارته في زحام الشوارع الضيقة، وأمامه سيارة تسير ببطء كأنها تثقلها هموم العالم. اندفع يطلق منبّه سيارته بغضب محتدم، مستشيطاً من بطئها الذي يعرقل خطوه، ومُصراً على إزاحتها بقوة العصب المنفلت. وما إن سنحت له الفرصة ليتجاوزها، حتى وقع بصره صدفة على عبارة كُتبت خلف زجاجها الخلفي: “انتبه… السائق أصمّ”. في تلك اللحظة الخاطفة، انطفأت نار الغضب في صدره، وتحول التذمر الحارق إلى سكون شاهق وطمأنينة مفاجئة. لقد أدرك بومضة بصرٍ أن البطء لم يكن تكابراً، والصمت لم يكن تجاهلاً، بل كان معركة صامتة خاضها صاحبها خارج حدود الكلمات. ولكن، ألا يضعنا هذا المشهد أمام مرآة مقلقة وجرح فلسفي نازف؟ هل أصبحت الإنسانية فينا عاجزة عن الاستيقاظ تلقائياً حتى نحتاج إلى لافتات مادية تُعلّق كي نرحم بعضنا؟ هل بات العذرُ بحاجة إلى تصريح خطي لنمنحه للآخرين؟ إننا نعبر العمر متزاحمين في شوارع العيش، نمارس محاكمات يومية قاسية على الغرباء والمقربين. نغضب ممن يتأخر في الاستجابة، ونتبرم ممن يبدو شارد الذهن، ونضيق ذرعاً بكل من يعترض طريقنا السريع، متناسين أن ظواهر الأشياء ليست سوى قشور لغزٍ كبير. فخلف كل وجه هادئ تقطن مقبرة صغيرة من الأحزان، وتحت كل نظرة شاردة يحترق عالمٌ من الخيبات؛ هذا يصارع مرضاً عضالاً أخفاه عن عيون أهله، وذاك أفلست روحه بعد خسارة فادحة، وثالث أنهكه ثقل الفقد أو أتعبه غياب السند. أصبحنا نسأل أنفسنا بمرارة: هل تحولنا إلى آلات صماء لا تلين إلا بلافتات التحذير؟ هل يجب أن نُعلّق على أعناقنا يافطات تعريفية تقول: “انتبهوا، فأنا مكسور الخاطر”، أو “احذروا، فإن روحي على أُهبة الاحتراق”؟ أم أن جوهر الرحمة قد انطفأ فينا حتى استدعينا اليافطات لتقوم مقام الضمائر الحية؟ إن الرحمة الحقيقية لا تكتُب شروطها على الزجاج، ولا تُستجدى بالتنبيهات العابرة؛ إنها الإشراقة الداخلية التي تولد حين ندرك هشاشة الجذر البشري. فلنتخفّف من قسوتنا المفرطة، ولننظر إلى بعضنا بعين البصيرة لا بعين العجلة. كونوا لطفاء بالخفاء، رحماء بالسر، واجعلوا من قلوبكم مساحات آمنة يعبر من خلالها المتعبون بسلام دون خوف من الأحكام المسبقة. فحين ننظر إلى العالم بلا شروط، ونمنح عذرنا لمن لا يستطيع الدفاع عن نفسه، نكون قد استعدنا إنسانيتنا الضائعة. وحينها، لن نكون بحاجة أبداً إلى لافتةٍ معلقةٍ في الطرقات لنعرف كيف نحب، وكيف نرحم، وكيف نظل بشراً.

observerme.net — متابعة الخبر





