مقالات مختارة

التحالفات الأميركية والعودة إلى الجذور الأنجلوساكسونية

عبير بسام | كاتبة وباحثة

تبحث اليوم الولايات المتحدة الأميركية عن تسويات لحل أزماتها، ومنها مشاكلها العالقة مع أوروبا، وأزمة وجودها في المشرق العربي، إلى البحث عن سبل للاتفاق مع إيران ثم الأزمة المفتعلة مع الصين. وهذه الأخيرة تأخذ الحيز الأهم في تحديد شكل تحالفاتها الجديدة. فالناتو لم يعد كافيًا، وهناك توجه أمريكي نحو محاصرة الدور الأوروبي ما خلا بريطانيا بالتأكيد، والدليل على ذلك تشكيل التحالفات المتفرقة حول العالم، اذ قامت أمريكا في السنوات الماضية بتشكيل ثلاثة تحالفات هامة تحدد الوجهة العامة للسياسة الأميركية والطريق الذي ستتبعه خلال السنوات القادمة.

التحالف الأول، هو الرباعية، وأعضاؤها هم الولايات المتحدة واليابان واستراليا والهند. أسست الرباعية في العام 2007، للوقوف في وجه الصين، ومرت في فترة سبات حتى عاد وأيقظها دونالد ترامب. والهدف الأساسي منها: حماية المحيطين الهندي والهادئ من الهيمنة الصينية. ولا تعد الرباعية تحالفاً عسكرياً أو امتداداً للناتو بل هي منصة دبلوماسية. وفي 12 آذار/ مارس، أعلن على صفحة البيت الأبيض أن الهدف من تشكيل الرباعية مواجهة التحديات العالمية ومحاولة حلها، ومنها التحديات الاقتصادية والبيئية والصحية، وخاصة بعد جائحة كورونا. ولكن التحدي الأكبر بالنسبة للبيت الأبيض يتعلق بالتعاون بمجالي التقنيات والأمن البحري في شرق وجنوب بحر الصين. ويضمن التعاون تطور صناعة التقنيات بحيث يكون الابتكار التقني متكاملاً وحراً ومفتوحاً وشاملاً ومرناً.

فالأميركيون يريدون منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، مناطق حرة ومفتوحة ومرنة، وخاصة في بحر الصين، وتريدها مفتوحة لها للتنقيب عن النفط والغاز فيها. وتمتد الرباعية في المستعمرات البريطانية القديمة في الهند واستراليا، وأما انضمام اليابان فهو ضرورة لمواجهة الصين، خاصة وأن هذه الدول تمتلك اليوم القوة التقنية الحديثة، ومنها التقنيات النووية، وتعد مراكز تصنيعها الهامة.

التحالف الثلاثي والأهم، الذي نشأ ما بين بريطانيا واستراليا والولايات المتحدة، والمعروف باسم “أوكوس”، “AUKUSK”، يتقدم في أهدافه على باقي التحالفات، فهو تحالف آخر نشأ ما بين الدول التي تتحدث باللغة الإنكليزية، وهو شيء يشبه دول الكومنولث، ولكن بصبغة أكثر سياسيا واقتصاديا. ويهدف الأوكوس إلى دعم بريطانيا اقتصادياً خاصة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وفي وجه فرنسا، التي ينظر إليها على أنها تحاول السيطرة على أوروبا، وترى نفسها حليفة وليست تابعة لأمريكا، وتعمل على إلزام بريطانيا بجميع تعهداتها بعد توقيع اتفاق البريكست. إلا أن أمريكا ترى أنه لا فائدة اقتصادية لها أو لحليفتها ترجى من هذا الاتفاق، وتحاول الدفع نحو تجارة حرة مع أوروبا، مما يعني منافسة البضائع الأوروبية في داخل القارة العجوز. وترجو أمريكا تقويض دور فرنسا عبر تحالف أوكوس في المحيط الهندي.
وأوكوس يعتبر الخطوة التالية لما بعد التحالف الثالث ما بين أمريكا واستراليا ونيوزلندا ANZUS، لأن الأخيرة تقع تحت الحظر النووي، فكان لا بد من انشاء تحالف اوكوس، الذي يسمح لأستراليا بالمباشرة ببناء أسلحة نووية.

ويظهر من التحالفات الثلاثة أن أمريكا تعيد بناء تحالفاتها على أساس العلاقة بين المستعمرات البريطانية المترامية الأطراف، وكأنها تعيد بناء القوة الأنغلوساكسونية حول العالم. بحسب موقع History Workshop: “لعبت هذه الرواية الزائفة عن “الأنجلو ساكسون” كأمة و”كعرق” دورًا كبيرًا في الخطاب السياسي على مدى 500 عام الماضية”. خطاب، أعيد بناؤه عدة مرات برسائل وهمية تروج لرسائل سياسية بالتفوق العنصري لخدمة الأهداف الوطنية الإستعمارية لبريطانيا. واليوم تظهر التحالفات الأميركية إعادة بث الخطاب السياسي نفسه، ولكن بطريقة متجددة.

في المراحل التي تلت الاستعمار البريطاني ومن ثم الأمريكي، بات المعنى العنصري لـ “الأنجلو ساكسونية” أكثر شيوعًا. والعودة اليوم إلى هذه الحقائق التي تتعلق بالسياسة التي تقوم اليوم على أساس التحالفات الجديدة التي تقيمها الولايات المتحدة من أجل استعادة مجدها الذي يخبو، والذي بات الهدف منه ليس فقط حصار الصين، وإنما حصار الاستعمار القديم حول العالم، والذي يتحدث باللغة الفرنسية. فلقد انتقلت دراما السياسة الدولية إلى فعل جديد، مسرحه العالم، يقف وراء الجهود اليائسة التي تبذلها فرنسا وألمانيا لتأمين الإمبراطوريات الاستعمارية قبل فوات الأوان. في النهاية، هذه الحقيقة هي التي تولي أهمية خاصة لصعود اليابان إلى الرئاسة المحتملة للعالم المنغولي، والصراع مع روسيا من أجل السيطرة على الصين الذي يبدو حتميًا، وهذا ما يدركه اليابانيون بوضوح.

محاولات تقويض قوة فرنسا وأوروبا ووجودهما في المحيط الهندي ابتدأت في العام 2018 في إقليم بولينيزيا الفرنسية مع صعود الزعيم الانفصالي أوسكار تيمارو الذي بدأ برفع الدعاوى ضد فرنسا في العام 2018 بسبب تجاربها النووية في جزيرة تاهيتي، بعد 22 عاماً من وقف التجارب. هذا الهجوم على فرنسا انطلق في عهد دونالد ترامب، وبعد عام واحد على إعادة إحياء “الرباعية”. وقد قامت الولايات المتحدة لسنوات بدعم الحركات الانفصالية لجزر المحيط الهادئ من أجل رفع عدد الأصوات الداعمة لها في الأمم المتحدة.

وفي 18 تموز/ يوليو، أي قبل أسبوع من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المقررة للجزيرة ما بين 24 و28 تموز/ يوليو 2021، خرج آلاف المتظاهرين في جزيرة تاهيتي إحدى أكبر جزر الإقليم، لمطالبة سلطات فرنسا بالاعتراف بخطئها بإجراء التجارب النووية في الأرخبيل. دعا إلى التظاهرات الزعيم تيمارو وبدعم الكنيسة البروتستانتية المحلية، وجمعية “193” المناهضة للأسلحة النووية. ومن المعلوم أن مجموعة الجزر تقع قريبة من كل من استراليا واليابان، وهي تدعم “اسرائيل”، التي تمتاز بنفوذ كبير فيها.

الاعتقاد بوجوب تحقيق حلم الإمبراطورية الانغلوساكسونية العالمي، انتقل إلى المستعمرات البريطانية ومنها أمريكا، وقال في ذلك المؤرخ الأميركي جورج برتون آدامز في العام 1896: “من خلال العمل الحكيم، بالطريقة الصحيحة وفي الوقت المناسب، قد نفترض لأنفسنا منصب القيادة في المنظمة الذي تتردد إنجلترا في اتخاذه، وبالتالي جعل الإمبراطورية العالمية للأنجلو ساكسونية أمرًا مؤكداً”. برتون قال هذا الكلام في وقت كانت تمتد فيه قوة الإمبراطورية البريطانية في معظم قارات العالم.

لا إمكانية عملية اليوم لحكم العالم على الطريقة التي اتبعها الاستعمار القديم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وأمريكا اليوم لا تستطيع التنقل بجيوشها والاستمرار باحتلال العالم تبريراً لمصالحها. فالعالم اليوم يحكم من خلال الأفكار والقضايا والمؤسسات ومنها الكنائس البروتستانية الإنكليزية المنتشرة. اذًا لا يمكن أن تتوقع الولايات المتحدة أن يدوم حكمها للعالم بالطريقة ذاتها التي حكمت بها خلال العقود الماضية، والتي تمحورت حول تفوق عرق ما على الأعراق الأخرى والتحالفات العسكرية. وهذا له دلالاته في التغيرات التي تصيب المجتمع الأميركي، الذي ينحو أكثر نحو العنصرية الأنجلوساكسونية البروتستانتية، وسحب هذا الأمر ليمتد إلى المستعمرات الأوروبية في المحيط الهادئ.

العهد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى