ما اوقحكم أبصرتم بضعة صواريخ يمنية ! … ولم تبصروا دماء غزة ؟!
عمر معربوني | باحث في الشؤون العسكرية والسياسية | رئيس تحرير موقع المراقب
عجيبٌ أمر بعض أصحاب المنابر السياسية والإعلامية في عالمنا العربي والإسلامي؛ رأوا بضعة صواريخ ومسيّرات لأنصار الله تصل ، فاشتعل غضبهم، وارتفعت أصواتهم، واستنفروا قاموس الإدانة والتحذير، كأنهم اكتشفوا للتو أن للحرب ضحايا، وأن للشعوب حقاً في الأمن والحياة. فأين كانت هذه اليقظة أمام أكثر من سبعين ألف شهيد في غزة؟ وأين اختبأت هذه الحساسية حين تحوّلت حياة الفلسطينيين إلى مأساة مفتوحة؟ سبعون ألف شهيد ليسوا رقماً عابراً في نشرة أخبار، ولا مادةً تُستهلك ثم تُطوى. وراء كل شهيد اسمٌ ووجهٌ وحكاية، وأمّ تنتظر، وبيتٌ انطفأ، ومستقبلٌ اقتُلع من جذوره. ومع ذلك، استطاع بعض هؤلاء أن يجعلوا المأساة جزءاً من المشهد المعتاد، وأن يختصروا الدم بكلمات باردة، وأن يتابعوا جدالاتهم كأن الأرواح التي أُزهقت لا تستحق من غضبهم إلا ما تبقّى بعد حسابات المصالح. ثم ظهرت الصواريخ اليمنية، فإذا بالألسنة التي أثقلها الصمت تنطلق، وإذا بالوجوه التي ألفت مشاهد الموت ترتسم عليها ملامح الفزع، وإذا بأصحاب الأعذار يتحوّلون إلى قضاة لا يتردّدون في إصدار الأحكام. يا لها من يقظة تكشف مقدار النوم الذي سبقها! ويا له من غضب يفضح صاحبه حين يرتفع أمام مشهد، ويختنق أمام آلاف المشاهد التي يفترض أن تهزّ وجدان الإنسان! هذا التفاوت الفادح في المواقف يعرّي ضميراً انتقائياً، يزن حياة البشر بحسب موقعهم في خريطة التحالفات. فإذا كان الضحية فلسطينياً، حضرت التعقيدات والتوازنات والحسابات؛ وإذا امتدّ الخطر إلى المصالح التي يحرسها هذا الخطاب، غابت الأعذار، وأصبحت الإدانة واجباً عاجلاً لا يحتمل التأجيل . كأن دم الفلسطيني يحتاج إلى ملفّ إثبات، بينما يكفي خوف الآخرين ليستنفر المنابر كلها. إن حماية المدنيين مبدأ لا يحتمل المساومة، والاعتراض على تعريض حياتهم للخطر يكتسب قيمته من ثباته وشموله. فمن يرفع هذا المبدأ في مكان، ثم يخفض صوته أمام انتهاكه في مكان آخر، يهدم حجّته بيده. ومن يطلب الأمان لشعب، ثم يتعامل مع موت شعب آخر ببرود الحسابات، يفقد حقّه الأخلاقي في الوعظ . فالإنسانية التي تتبدّل بتبدّل هوية الضحية تصبح واجهةً للمصلحة، مهما أُلبست من عبارات رصينة. والأشدّ وقاحةً أن بعض هؤلاء يطالب الضحية بضبط غضبها، والمتضامن معها بكبح موقفه، والجمهور بنسيان أصل المأساة. يوزّعون النصائح على المقهورين بسخاء، ويقتصدون في الكلمات أمام من يقتلهم. يريدون من الفلسطيني حكمةً بلا حدود، وصبراً بلا نهاية، وصمتاً يريح الشاشات من صورته ويُعفي السياسة من مسؤوليّتها. ثم يسمّون هذا العجز تعقّلاً، ويقدّمون هذا الانحياز على أنه حرصٌ على الاستقرار! أيّ استقرار هذا الذي يتّسع للمجازر ويضيق بالغضب عليها؟ وأيّ حكمة هذه التي لا تجد كلامها إلا عند مطالبة المظلوم بالسكوت؟ إن الاستقرار الذي يُبنى على تجاهل الدم يحمل اضطرابه في داخله؛ لأن القهر لا يزول بإسكات من يتألّم، والجريمة لا تصبح أقلّ فداحةً حين تُحاصر صورتها وتُخفّف مفرداتها. ولمن جعل خلافه مع أنصار الله أكبر من إحساسه بمأساة غزة، نقول: إن الخصومة السياسية لا تمنح صاحبها إعفاءً من واجب الإنصاف. تستطيعون نقد المواقف والعمليات والخيارات، لكن تحويل خلافكم إلى ستار يحجب الضحايا يكشف خللاً أخلاقياً عميقاً. وحين تصبح هوية الفاعل أهمّ لديكم من حجم المأساة، يغدو خطابكم شهادةً على انحيازكم، مهما ادّعى الموضوعية ومهما استعار لغة القانون والإنسانية. الشعوب تتذكّر. تتذكّر من ارتجف أمام الدم، ومن ارتجف أمام اضطراب المصالح. تتذكّر من طالب بوقف القتل، ومن اكتفى بتأديب الغاضبين عليه. وتتذكّر من جعل فلسطين زينةً لخطبته، ثم ترك أهلها حين احتاج التضامن إلى موقف يتجاوز البلاغة. أما غزة، فستبقى شاهداً لا تمحوه البيانات، ولا تُسكته الشاشات، ولا تستره براعة التبرير. ستبقى تسأل أصحاب هذا الغضب الانتقائي: كيف أبصرتم الصاروخ في السماء، ولم تبصروا الإنسان تحت الركام؟ وكيف ضجّت حناجركم بالخوف، بينما ضاقت بكلمة حقّ أمام هذا الدم؟ إن سقوط الضمير يبدأ حين يصبح موت الإنسان خبراً عادياً، وخطر المصالح كارثةً تستحق الصراخ. وعندها، تكون المنابر قد كشفت عوراتها الأخلاقية بنفسها، ويصبح صمتها عن غزة أبلغَ إدانةٍ لكل ما تدّعيه.


