عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب
تتحدد ملامح معركة تعز عند نقاط التقاء الجغرافيا بالقرار العسكري، حيث تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة والضغط، وتحدد طرق الإمداد قدرة القوات على الصمود واستمرار القتال. وفي تقديري، تسعى أنصار الله إلى تحويل هذه العلاقة إلى أفضلية متراكمة، عبر تضييق خيارات القوات المدعومة من السعودية وإرباك قدرتها على توزيع القوة وإدارة الموارد. ومع تزامن الضغوط، يصبح تماسك القيادة وقدرتها على فهم اتجاه المعركة عاملاً حاسماً في مصير الدفاع. من هنا، أرى أن قراءة المشهد تبدأ من طريقة تفكير الطرف المحاصر: كيف يقدّر الخطر، وكيف يرتب أولوياته، ومتى يعترف بأن حساباته السابقة فقدت صلاحيتها؟ فالقيادة التي تتأخر في إدراك التحول قد تستهلك ما تبقى من قوتها دفاعاً عن تصور تجاوزته المعركة، وتمهّد باضطراب قرارها لانهيار مواقعها.
الانهيار الإدراكي يسبق الانهيار العسكري : أرى أن معركة تعز تستحق قراءة تنطلق من أفضلية المبادرة التي تسعى أنصار الله إلى ترسيخها، ومن المأزق الذي يفرضه الضغط المتزامن على القوات المدعومة من السعودية. فالخسارة العسكرية قد تبدأ قبل سقوط المواقع، عندما تفشل القيادة في فهم اتجاه المعركة، وتستمر في التعامل مع تحولات واسعة باعتبارها حوادث محدودة يمكن احتواؤها. ومن هنا، أقرأ مأزق القوات المدعومة من السعودية بوصفه أزمة إدراك للمعركة قد تسبق الانهيار العسكري: تآكل في القدرة على تقدير الخطر وترتيب الأولويات، ثم اضطراب في القرار، وصولاً إلى ضعف القدرة على إدارة القوة الموجودة فعلياً في الميدان.
حين تنفصل حسابات القيادة عن واقع الميدان: والانهيار الإدراكي الذي أقصده يتعلق بطريقة عمل القيادة تحت الضغط، وبقدرتها على الاعتراف بتغير ميزان القوى قبل أن تصبح قراراتها منفصلة عن الواقع. تظهر دلالاته عندما تتسع الفجوة بين تصور القيادة والواقع، وعندما تصبح القرارات ردود فعل متأخرة، وتُستهلك الموارد لمعالجة نتائج الخلل من دون معالجة أسبابه. هذا هو التسلسل الذي قد يفسر انهيار جبهات تبدو متماسكة على الخريطة: يبقى السلاح موجوداً، لكن القدرة على استخدامه ضمن قرار متماسك تتراجع. لذلك أرى أن الخطر على القوات المدعومة من السعودية يتجاوز خسارة الأرض إلى احتمال فقدان القدرة على فهم ما تفرضه خسارتها.
الحصار والمخزون: الوقت يضغط على القوات المحاصرة : وفي قراءة تنطلق من وضعية الحصار الكامل، يتضاعف هذا الخطر، لأن القوات داخل الطوق لا تستطيع التعويل على إمداد بري منتظم من الخارج. الذخيرة والوقود والمؤن وقطع الغيار تتحول إلى موارد محدودة يجري استهلاكها يومياً، بينما يصبح التعويض أكثر تعقيداً. وهنا تكمن أفضلية أنصار الله إذا حافظت على الضغط: دفع الطرف المقابل إلى مواجهة احتياجات متزايدة بإمكانات يصعب تجديدها. وقد يستمر الدفاع إذا كان المخزون كافياً والقيادة متماسكة، لكن الرهان على الزمن وحده يصبح مكلفاً. فكل تأخير في مراجعة الحسابات قد يستهلك جزءاً من القدرة التي تحتاجها القوات للحفاظ على تماسكها لاحقاً.
المحور الجنوبي: المرتفعات تضاعف أثر الضغط : وتظهر أهمية المحور الجنوبي في المسراخ ونجد قسيم والأقروض والشقب، وفي ارتباط هذه المناطق بالمرتفعات المحيطة بجبل صبر ومشرعة وحدنان. فالمرتفع يؤثر في المراقبة وفي ترابط المواقع وحركة القوات، ولذلك فإن تثبيت تقدم لأنصار الله على هذا المحور قد يمنحها مكسباً يتجاوز مساحة الموقع نفسه. إنه يفرض على الطرف المدافع إعادة ترتيب أولوياته واستخدام احتياطه الداخلي تحت ضغط متواصل. وفي تقديري، تصبح المبادرة هنا أكثر قيمة عندما تدفع الخصم إلى توزيع جهده على احتياجات متزامنة. أما القوات التي تؤخر الاعتراف بتغير الوضعية، فقد تجد نفسها تعالج كل تطور منفرداً، بينما تتراكم الآثار على منظومتها الدفاعية.
المحور الغربي: أنصار الله تضيق هامش المناورة : وغرباً، ترتبط أهمية الضباب وجبل هان والمداخل العمرانية بمدى تأثير الضغط على حركة القوات والموارد داخل تعز. وأي تقدم مثبت في هذا الاتجاه قد يضاعف عبء الجبهة الجنوبية ويقلص هامش المناورة لدى الطرف المدافع. وهنا أرى أن أفضلية أنصار الله المحتملة تكمن في الجمع بين ضغطين يفرضان على الخصم إعادة توزيع القوة نفسها، من دون ضمان وصول قوة إضافية من الخارج. لكن هذه القراءة لا تتطلب إعلان سقوط المدينة مسبقاً، ولا بناء الاستنتاج على أخبار مختلف عليها قرب الهنجر أو السجن المركزي. فقوة التقدير تأتي من تفسير الآثار المتراكمة للتحركات التي يمكن تثبيتها.
وهم التعزيزات… وتأجيل الاعتراف بالمأزق : وإذا أصبح القرار العسكري أسيراً لفكرة أن التعزيزات ستصل حتماً، أو أن أي مكسب خارجي سيحل أزمة الداخل، فإن الخلل الإدراكي قد يتعمق. فالمخزون لا يتجدد بمجرد صدور إعلان، والوحدة المنقولة بين قطاعين لا تضيف قوة جديدة إلى الاحتياط العام. إن استمرار الخلط بين الحركة الداخلية والتعويض الخارجي قد يخفي حجم المأزق عن القيادة إلى أن تصبح الخيارات أضيق. وأرى أن أنصار الله تستفيد من هذا الاحتمال بقدر ما تستطيع إبقاء المبادرة والمحافظة على تماسك عملياتها. فالضغط الناجح يجعل الطرف المقابل منشغلاً بمعالجة احتياجاته المتزايدة، ويحد من قدرته على استعادة المبادرة.
التقدم على الساحل لا يفك طوق تعز : وتتقاطع معركة تعز مع الساحل الغربي وذُباب وباب المندب، لكن المكسب الساحلي لا يتحول تلقائياً إلى إمداد للقوات داخل الطوق. تأثيره يتوقف على وجود اتصال فعلي يسمح بالحركة. لذلك فإن تصوير التقدم على جبهة أخرى باعتباره حلاً جاهزاً لمأزق تعز قد يكون جزءاً من خطأ قراءة المعركة. وقد يفرض الضغط الساحلي أعباء على أنصار الله، إلا أن أثره على المدينة يحتاج إلى قياس مستقل. ومن هذه الزاوية، أرى أن ميزان المبادرة في تعز يُقاس بقدرة كل طرف على تغيير شروط القتال داخلها، وبمدى ارتباط المكاسب الخارجية بنتائج عملية يمكن ملاحظتها.
من اضطراب القرار إلى تفكك الدفاع : وفي تقديري، فإن الانهيار الإدراكي يوفر مفتاحاً لفهم كيف تتراجع الجبهات قبل أن تفقد كامل قوتها العسكرية. فعندما تصر القيادة على قراءة قديمة للميدان، تصبح كل خسارة مفاجأة، وكل معالجة متأخرة، وكل وعد بالتعويض سبباً إضافياً لتأجيل القرار الضروري. وهكذا يتحول تآكل الثقة والتنسيق إلى ضعف في القدرة القتالية. وأرى أن مأزق القوات المدعومة من السعودية في تعز يمكن قراءته من هذه الزاوية: قوة تضيق خياراتها، بينما تسعى أنصار الله إلى تعميق الضغط والمحافظة على المبادرة. وما يبدأ خللاً في فهم المعركة قد ينتهي عجزاً عن إدارة دفاع متماسك، رغم بقاء السلاح والمقاتلين في مواقعهم.
أنصار الله بين المبادرة العسكرية وفرصة التسوية : وتبقى التسوية مخرجاً يمكن أن يفرضه تغير ميزان القوى، خصوصاً إذا أدرك الطرف المدعوم من السعودية أن كلفة الانتظار تتجاوز فرص تحسين وضعه. وأرى أن نجاح أنصار الله في تحويل المبادرة إلى نتيجة مستقرة يحتاج إلى الجمع بين القوة العسكرية والمسؤولية السياسية، وحماية السكان وتأمين الغذاء والدواء والخدمات. فالأفضلية الميدانية تكتسب معناها الأوسع عندما تفتح طريقاً لإنهاء الاستنزاف. وتعز، في هذه القراءة، تكشف أن أخطر الهزائم تبدأ حين تعجز القيادة عن مراجعة تصورها للمعركة؛ أما إدراك الواقع في الوقت المناسب، فقد يتيح تسوية تحفظ الأرواح قبل أن يضيق هامش القرار أكثر.



