كتاب الموقعمقالات مختارة

كتب د . احمد الدرزي | قادة جبال قنديل.. مفتاح حلّ الأزمة السورية أو استعصائها

الدكتور احمد الدرزي | كاتب وباحث سوري

تراجعت حظوظ الحوار الجدّي المنتج بين دمشق وكردها، بعد أن تقلصت التهديدات التركية باجتياح منطقتي تل رفعت ومنبج، إثر الضوء الأحمر الروسي الذي أشعلته موسكو في وجه أنقرة، ما ترك هامشاً من الوقت أمام القادة الحقيقيين للحالة الكردية الجديدة في الشمال السوري بعد تجربتهم السابقة في العراق، فمن هم هؤلاء القادة؟ وما علاقتهم بدمشق؟ وما أهدافهم في سوريا؟

على الرغم من بروز أسماء قيادية كردية سورية إثر اندلاع الحرب في سوريا في منتصف آذار/مارس 2011، فإنَّ السياق العام للتجربة الكردية يؤكد أن مركز القرار الحقيقي ليس في أيدي الكرد، فهم بالأساس جزء من بنية تنظيمية عابرة للحدود، منتشرة في تركيا والعراق وسوريا، تحت مُسمَّى حزب العمال الكردستاني، وهي تنضبط بالسياسات التي ترسمها قيادات جبال قنديل، رغم عدم وجودها الآن فيها، وانتقالها إلى محافظة السليمانية في العراق، بعد أن سيطرت الطائرات التركية المسيَّرة على أجواء جبال قنديل.

هذا الأمر هو ما يدفع دمشق إلى عدم التعويل على أي حوارات أو مفاوضات مع قادة كرد سوريا، ليقينها أنهم لا يمتلكون قرارهم، وأنَّ القرار الحقيقي هو عند من عرفتهم منذ عام 1980، وذلك بعد أن استطاع قائد حزب العمال الكردستاني ومؤسسه عبد الله أوجلان الفرار من السجون التركية في العام نفسه إثر انقلاب كنعان إيڤرين، والتوجه إلى سوريا التي تبنته بشكل كامل، وبدعم سوفياتي تام، في إطار الصراع مع الولايات المتحدة، فقامت دمشق بافتتاح معسكر تدريبي لعناصر حزب العمال في منطقة البقاع اللبنانية عام 1982، قبل إعلان الكفاح المسلح ضد تركيا بعامين.

كان لانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 الأثر البالغ في سوريا، بانكشاف غطائها الدولي وفقدانها قدرة التوازن بين القوى الدولية والإقليمية. ومع ذلك، استطاعت التعاطي ببراغماتية عالية مع التطورات الجديدة، ولَم تتخلَّ عن عبد الله أوجلان وحزبه، رغم خضوعها للضغوط الدولية الهادفة إلى إغلاق معسكرات البقاع عام 1992، فافتتحت 3 معسكرات في ريف دمشق (صحنايا وشبعا والنشَّابية)، واستمرت في ذلك إلى عام 1998، حينما تقلصت مساحة هامش المناورة أمام دمشق، بعد رفضها التوصل إلى اتفاقية “سلام” مع “تل أبيب”، ما أوجد الفرصة الذهبية لأنقرة لاستغلال انكشاف الغطاء الدولي، وتهديدها باجتياح سوريا، “والوصول إلى دمشق خلال 24 ساعة”، كما عبر عن ذلك الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل، إضافة إلى تواطؤ القادة العرب من خلال تحريض تركيا على سوريا، فأُسقط من يدي دمشق استمرار القدرة على المناورة، فذهبت إلى توقيع اتفاق أضنة، وإخراج عبد الله أوجلان من دمشق إلى موسكو الضعيفة آنذاك بقيادة بوريس يلتسين، ليتم اعتقاله بعد أشهر في نيروبي، بتعاون بين الموساد الإسرائيلي والاستخبارات الأميركية والتركية. ومع ذلك، لم تُغلق المعسكرات الثلاثة داخل سوريا إلا عام 2002، بعد 4 أعوام من إخراج أوجلان من سوريا.

نحت العلاقة بين دمشق وحزب العمال الكردستاني نحو الجانب السلبي، بعد بدء الانفتاح السوري التركي، وتسليم دمشق المسؤول التنظيمي في سوريا خبات آمد وقرابة 100 عنصر. ومع ذلك، إن تقييد تحرك عناصر التنظيم لم يصل إلى الحد الأقصى، وخصوصاً بعد تأسيس الوجه السوري للحزب تحت مسمى “حزب الاتحاد الديمقراطي”، لتعود العلاقة نحو المنحى الإيجابي بعد اندلاع الحرب في سوريا، وانكشاف الدور التركي المُدمِّر فيها، فتم انسحاب الجيش السّوري من أغلب المناطق الشمالية الحدودية، واستلام مقاتلي الحزب مقاليد السيطرة على الحدود، وحماية المؤسسات الحكومية وآبار النفط بالسلاح السوري.

استمرّت العلاقات الإيجابيّة بين الطرفين إلى حين بدء تنظيم “داعش” بالهجوم على مدينة عين العرب “عرب بينار”، ووصوله إلى قلب المدينة بعد 3 أشهر من القتال الضاري الذي بدأ في 13 أيلول/سبتمبر 2014، فاستغاث الكرد بدمشق التي كانت في أضعف حالاتها، وعجزت عن تقديم المساعدة، فالتجأوا إلى الأمم المتحدة.

بعد 24 ساعة، تواصلت واشنطن مع قادة جبال قنديل، وتم الاتفاق بينهما على جملة سياسات لم تُعلن حتى الآن. تدخّل الطيران العسكري الأميركي ضد “داعش” في اليوم التالي، لتبدأ حلقة جديدة من العلاقة السلبية بين دمشق وكردها، وخصوصاً بعد دخول القوات الأميركية إلى الشمال السوري بشكل غير شرعي، وتمركزها في 13 قاعدة كقوة احتلال، ما دفع القادة الكرد إلى الشعور بفائض القوة، وعزز ذلك لديهم تواصل كل القوى الدولية والإقليمية معهم، بوصفهم قوة منظمة مؤثرة.

كان لوجود قوى الاحتلال الأميركي الأثر البالغ في سياسات قادة قنديل، الَّذين اعتقدوا أنهم ينجحون لأول مرة في تأسيس قاعدة محمية لهم، كنواة لمشروع الأمة الديمقراطي الّذي أطلقه عبد الله أوجلان من سجنه في إيمرلي (بعد مراجعات فكرية لكلّ المرحلة السابقة التي غلب عليها الطابع اليساري الماركسي اللينيني)، وتحوّل هذا النجاح إلى نقمة على دمشق التي فقدت مصادر الطاقة (النفط والغاز)، إضافة إلى القمح وبقية المواد الغذائية.

وقد ترافق ذلك مع رسم حدود لنواة أشبه ما يكون بالدولة، بعد رفع الأعلام الخاصة بالحزب، ومنع رفع العلم السوري، وتشكيل مؤسسات تعليمية وخدمية وسياسية بديلة من الدولة السورية، وتدفق الأموال العربية من الإمارات والسعودية، إضافةً إلى حصة مالية حددتها لهم الولايات المتحدة من مردود النفط السوري.

تعاطى قادة جبل قنديل مع المتغيرات الكبرى بعد التحالف مع الولايات المتحدة، كما يتصورون، كفرصة ذهبية يجب التأسيس عليها والتمدد إلى بقية المناطق السورية تحت عنوان الدولة اللامركزية الديمقراطية، وتعميم مشروع الإدارة الذاتية، وأكثر من ذلك، دغدغة المشاعر بالدولة القومية بعد وعد أميركي همساً بذلك.

جاءت الصدمة الأولى لهذا المشروع مع سقوط منطقة عفرين وتهجير أهلها، بسبب عدم إدراك أصحاب المشروع طبيعة القوى الدولية التي لا يمكن الركون إليها، والرهانات السياسية غير الواقعية، ليتغير السلوك النضالي بعد ذلك، مع بروز متعة السلطة وانتشار ظاهرة الفساد أسوةً بنسيج المنطقة ككل، ويصبح أنصار المشروع الكردي الانفصالي أقرب، يوماً عن يوم، من التكوين العام لدول الشرق الأوسط ومنظوماته، إضافة إلى إخراج عشرات ملايين الدولارات بشكل شهري ومتتابع لتمويل الأنشطة السياسية والعسكرية.

ثبَّت هذا الواقع الجديد الجديد أنماطاً مختلفة عن السياق النضالي العام لحزب العمال الكردستاني، المناهض بالأساس لمفهوم الدولة القومية، “باعتبارها مُنتجاً للرأسمالية العالمية الناهبة للشعوب”، وأصبح قائده العام جميل باييك اليساري اللينيني أقرب إلى استنساخ تجربة عثمان أوجلان الذي انشق عن الحزب بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وتمايزه عن صلابة “باييك” اليسارية، وذهابه نحو “اللبرلة”، معتبراً أنَّ “الولايات المتحدة أصبحت جارة للكرد باحتلالها العراق، والأمر يقتضي التعامل معها ببراغماتية”، إضافةً إلى تراكم الأموال الهائلة بين أيدي قادة الحزب ووسطائه، فتحول هذا المال إلى عبء عليهم، من خلال منعهم من العودة إلى سياقهم التاريخي العام، واستمرار الرهان على الأميركيين لتعزيز المكاسب السياسية والاقتصادية في الجزيرة السورية.

لا شكّ في أن التغيير الجذري العميق والهادئ في سوريا مطلب أساسي لكل السوريين، ولا يمكن لسوريا أن تتعافى وتسترد أبناءها إلا بالانطلاق نحو هذا المطلب، ويمكن لقادة جبال قنديل أن يؤدوا دوراً أساسياً في ذلك، فهم المفتاح الأساسي للحل بين دمشق وكردها في الشمال السوري، ولا عودة لعفرين وأهلها إلا من خلال العودة تحت مظلة الهوية الوطنية السورية، والتخلي عن جميع أشكال النزعات اللامركزية المُهددة لهم أولاً، بفعل العامل التركي القادر على استغلال هذا النمط، وتعزيز وجود جماعاته الموالية له في سوريا، بإنشاء إدارات ذاتية لهم، وبموافقة أميركية.

كما يمكن أن يستمروا كمفتاح إغلاق في وجه تعافي الدولة السورية، رغم ما يحمل ذلك من مخاطر شديدة على الكرد عامة، الذين سيدفعون ثمناً باهظاً في صراع الفيلة الإقليميين والدوليين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى