مقالات مختارة

الحياد بين الشعار والواقع…

خضر رسلان | كاتب وباحث لبناني

تشكّل أزمة الهوية والانتماء العامل الأساسي منذ نشوء دولة لبنان الكبير، إذ ينتمي اللبنانيون إلى طوائف ومذاهب، أكثر من انتمائهم إلى الوطن. فهوية المواطن اللبناني هي في الغالب طائفية أو مذهبية قبل أن تكون هوية وطنية.

هذان العاملان، أدّيا على مرّ الزمن إلى تأجيج حدة الصراعات بين الأطياف اللبنانيّة المختلفة، وأسهما في جعل الخلافات السياسية العادية تتحوّل في كلّ مرة إلى خلافات على الكيان والهوية فضلاً عن انه كان ولا يزال العامل المساعد في استدراج التدخلات الخارجية.

إنَّ احتدام الأزمات المتلاحقة بدءاً من ميثاق 1943 الى ما يسمّى ثورة 1958 إلى أحداث 1975، وصولاً الى الطائف 1989 وما تلاها من فصولٍ مختلفة، حدا بأطرافٍ إلى المبادرة بطرح مشاريع حلولٍ، منهم من يعتبر أنّ الصيغة الطائفيَّة للنظام هي نقطة ضعفه، واقترح الفيدراليَّة حلاً، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك وطرح الكونفدراليّة منفذاً، ورأى في تدويل الأزمة علاجاً، ومنهم من جمع بين عدّة أسبابٍ وأظهر الصراع مع «إسرائيل» عنواناً لمشاكل لبنان، وطرح نظام الحياد على الطريقة اللبنانية التي اتبعت نظرية «قوة لبنان في ضعفه» والتي أول ما تجسّدت عملياً في سنة 1948 حينما كان من المفروض أن يدخل لبنان مع الجيوش العربية لفلسطين لمقاتلة الصهاينة وكان عديد الجيش اللبناني آنذاك 3500 جندي من كتائب المشاة، ولكن قبل يوم واحد من موعد الدخول الى فلسطين قرّر الرئيس اللبناني بشارة الخوري عدم دخول المعركة، ولم يشفع ذلك للبنان في شيء حيث بدأ العدوان العسكري الصهيوني على الجنوب بشكل منظم منذ العام 1948، فاجتاحت حدود لبنان الجنوبية عصابات «إسرائيلية» واحتلت نحو 15 قرية من الجنوب. في المرحلة الممتدة بين 1949 (اتفاقية الهدنة) وعام 1964 أيّ في المرحلة التي لم يكن فيها لا مقاومة فلسطينية ولا مقاومة لبنانية، وقام الصهاينة بتنفيذ مجزرة جماعية في بلدة حولا الحدودية في تشرين الأول من عام 48، وأودت بحياة 93 مواطناً. تلت ذلك سلسلة من الاعتداءات والعمليات العسكرية الصهيونية شملت معظم القرى والبلدات الجنوبية البعيدة عن الحدود وتمثلت هذه الاعتداءات بغزو القرى وقتل المواطنين، وضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية، ودفع الأهالي الى النزوح

وفي الثامن والعشرين من كانون الأول عام 1968 قامت قوّةٌ من الكوماندوس «الإسرائيلي» باحتلال مطار بيروت الدولي ودمّرت كلّ الأسطول الجوي المدني اللبناني المكوَّن من ثلاث عشرة طائرة لبنانية لشركة (الميدل إيست) كانت تساهم في الإزدهار الاقتصادي اللبناني في تلك الفترة والتي كانت جاثمةً على أرض المطار، فتحوّلت خلال أقلّ من نصف ساعة إلى ركام ورماد ودخان ..

ومرّت هذه العملية التي قادها رفائيل إيتان دون مقاومة دفاعية من القوى العسكرية اللبنانية…؟

النموذج السويسري

ركّزت غالبية الدراسات على ثبات الحياد السويسري واستمراريته باعتباره حالة مميّزة في العلاقات الدولية، ومثالاً يُحتذى للدول الراغبة في الحياد، إنّ سويسرا هي الدولة التي أرست عملياً معنى الحياد الذي كان ممهوراً بالسيادة وتقرير المصير اللذين تعترف بهما القوى الدولية، فضلاً عن إدراج مفهوم الحياد والنموذج السويسري في الثقافة الاستراتيجية بحيث انه ليست سويسرا وحدها تعتبر نفسها دولة محايدة لكن المجتمع الدولي يقرّ بذلك أيضاً، وبالتالي فإنّ لهذا النموذج امران اساسين، أولاً ضمان الحياد بواسطة القوى العظمى، وثانياً امتزاج الحياد مع السياسة العامة للدولة، فإذا ما خرقت دولة كبرى المعيار وهدّدت الحياد السويسري يأتي دور الردع المسلح (من قبل الدولة التي أعلنت الحياد)، ويؤكد تاريخ الحياد السويسري أنه نموذج فريد حاولت بلجيكا تطبيقه إلا أنها فشلت في الحفاظ على حيادها في الحروب العالمية الأولى والثانية بسبب عدم حصولها على الاعتراف بحيادها مع عدم امتلاكها للردع المسلح.

إنّ نجاح الحياد السويسري جعل منه نموذجاً يُقتدى به، إلا أنّها تجربة من الصعب تكرارها، لانّ أهمّ العوامل التي جعلت النموذج السويسري حالة فريدة هي: وجود قوة عسكرية رادعة معترف بها دولياً،

إنّ التمثل بالحياد السويسري كنموذج من قبل الدول الصغرى، يتطلب الحرص على توفير العاملين المهمين وهما اعتراف دولي بسيادة الدولة المطلقة إضافة الى وجود قوة عسكرية رادعة.

استنادا الى ما ذكر أعلاه، ولو اعتبرنا انّ النموذج السويسري معيار في انتهاج سياسة الحياد فلا بدّ من الالتزام بشرطين أساسيّين لضمان استنساخ ونجاح التجربة… الأول منهما وهو الاعتراف الدولي بالحياد والسيادة الوطنية للدولة اللبنانية والتي تمنع الاعتداءات والخروقات «الإسرائيلية» اليومية وضمان الحؤول دون تشكيل مجموعات إرهابية (مغطاة من دول كبرى واقليمية) حاولت وربما تعيد الكرة إلغاء الكيان اللبناني واجتثاث تنوّعه الديمغرافي، أما الشرط الثاني ودائماً بحسب النموذج السويسري الاحتفاظ بكلّ مفاصل القوة وبناء قوة رادعة مسلحة تضمن سيادة الدولة.

بناء على ما تقدّم فإنه لو سلمنا جدلاً انّ الحياد مصلحة لبنانية فإنه لا بدّ من تحقيق الشروط التالية…

1 ـ لا يمكن ان يتحقق الحياد إلا بعد عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم بالطريقة التي أتوا منها.

2 ـ عودة النازحين السوريين الى بلادهم وهو أمر قابل للتطبيق وللتوّ.

3 ـ من شروط الحياد إلغاء كافة الامتيازات الطائفية (السياسية والاجتماعية والاقتصادية) ضماناً الى عدم جنوح المكونات التي ترى انّ حقوقها مهضومة الى خيار الاستعانة بالقوى الخارجية.

4 ـ الحرية المطلقة في انتهاج الخيارات الاقتصادية وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.

5 ـ أما الشرط الأهمّ لتحقيق الحياد فهو قدرة لبنان على حماية حياده بنفسه (الجيش والمقاومة) يُلزم الحياد الدولة التي تتبنَّاه أن لا تقيم أيّ تحالفات سياسية أو عسكرية مع غيرها من الدول، ولكنه في الوقت نفسه يجبر الدولة بشكل غير مباشر، على تنمية قدراتها العسكريَّة للدفاع عن نفسها في حال تعرّضت للخطر، أو لأيّ عملٍ أو فعلٍ يمسُّ حيادها، فهل يمكن للبنان حماية حياده بنفسه؟

أما في حالة طرح شعار الحياد دون تحقيق ما ذكر أعلاه فإنّ الهدف يصبح جلياً واضحاً وهو نزع عناصر القوة والاقتدار التي بنتها المقاومة التي هزمت الجيش الذي لا يُقهر، ويصبح حينئذ شعار الحياد الوجه الآخر لشعار «قوة لبنان في ضعفه».

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى