هل باتت الأجواء اللبنانية أمام معادلة دفاعيّة جديدة؟

العميد الدكتور أمين حطيط | استاذ جامعي وباحث إستراتيجي .

تتصرّف “إسرائيل” في الأجواء اللبنانية تصرّف “صاحب الحق المستقرّ” المالك للأجواء والقادر على جعلها امتداداً لأجواء فلسطين المحتلة كجزء لا يتجزأ من فضائها الحيوي الاستراتيجي الذي تمارس فيه نشاطاتها من دون أيّ اعتراض أو ممانعة شتى العمليات العسكرية بدءاً من التدريب والمناورة الى المراقبة والاستطلاع الى اتخاذها منصات ومعابر جوية للعدوان على سورية، من دون أن نغفل أو ننسى حجم عمليات العدوان الجوي التي نفذتها “إسرائيل” ضدّ أهداف لبنانية مدنية وعسكرية ورسمت عبرها في حرب الأيام 33 في العام 2006 نظرية إجراميّة أسمتها “نظرية الضاحية التدميرية”.

والأدهى من الذهنية التي تتصرّف بها “إسرائيل” حيال الأجواء اللبنانية هو ردّ فعل الآخرين عليها، حيث نجد في لبنان فريقاً كان قد انضوى يوماً في جبهة واحدة أسميت “14 اذار” يلتزم الصمت المطبق حيال تلك الانتهاكات “الإسرائيلية” للسيادة الجويّة اللبنانية، لا بل إنه يحمّل فريقاً لبنانياً آخر المسؤولية عن الأمر ويتناسى صلب العدوان! أما الخارج فنكاد لا نسمع ولا نرى منه موقفاً واحداً يدين العدوان الإسرائيليّ أو يعمل لوقفه، أما الأمم المتحدة فقد بات حائط المبكى فيها متخماً بالوثائق اللبنانية التي تشكو من هذه التصرفات المرفوضة، لكن مجلس الأمن لم يتخذ يوماً قراراً أو موقفاً فاعلاً يعوّل عليه لوقف هذا العدوان أو يزعج “إسرائيل” في ممارساتها.

أمام هذا الواقع وُضِع لبنان أمام خيارين إما الاستسلام للأمر الواقع والتسليم لـ “إسرائيل” بمصالحها في الأجواء اللبنانية وصولاً الى الإقرار الضمنيّ – كما بات يسجل في ذهن البعض – الإقرار بـ “حق مكتسب لإسرائيل بحماية مصالحها العسكرية والأمنية”، أو الخيار الثاني الذي تمثل بوجوب سعي لبنان لامتلاك منظومة دفاع جويّ فاعلة تغلق أجواءه وتحمي سيادته وتدافع عن الوطن.

وهنا وللأسف كان الانقسام اللبناني المقيت حول مسائل دفاعيّة لا يمكن ان يناقش بها عاقل، إذ وجد في لبنان من ينتظم خلف مقولة التسليم لـ “إسرائيل” بما تريد وينكر على لبنان حقه في امتلاك القوة الدفاعيّة. بينما كان فريق آخر من اللبنانيين يتخذ الموقف الرافض للاستسلام ويتمسك بالاتجاه الثاني، لكنه اصطدم بواقع ومواقف تمنع الجيش اللبناني من امتلاك السلاح المناسب، فلا ميزانية الدولة تمكنه من تأمين الأموال ولا السوق الغربي مفتوح له إذا توفرت الأموال لأنّ “إسرائيل” توصده بوجهه ولا العروض الشرقيّة مقبولة لأنّ أميركا ترفضها وتمنع لبنان من التعاون العسكري أو قبول هبات تأتيه من الصين أو روسيا أو إيران.

في ظلّ هذا الواقع الكئيب لم يبق بيد اللبنانيين وأكثر دقة لنقل “قسم من اللبنانيين” إلا سبيل وحيد للدفاع عن النفس والأجواء في ظلّ العجز الرسمي، إنه طريق المقاومة التي نجحت في العام 2000 في تحرير الأرض المحتلة في الجنوب وفي العام 2006 في منع “إسرائيل” من العودة للاحتلال، حيث جهدت هذه المقاومة وبالقدرات المتاحة في امتلاك شيء من أسلحة تؤمّن تنفيذ قدر من المهمة واعتمدت المقاومة حيال الإعلان عن القدرات تلك “سياسة الغموض البناء”، حيث أحجمت عن الإعلان عما امتلكت كما أنها لم تنفِ أنها تمكنت من امتلاك قدر من منظومة دفاع جوي يلزمها في واقعها الدفاعي في لبنان.

وفي ظلّ هذه السياسة “الغموض البناء” امتنعت المقاومة منذ العام 2006 عن التصدّي للمسيّرات والطائرات “الإسرائيلية” التي تنتهك الأجواء حرصاً منها على الاحتفاظ بعنصر المفاجأة وترك استعمال الدفاع الجوي الى الحرب المقبلة، لكن الميدان كما يبدو تغيّرت بعض ظروفه الآن ربطاً بالمشهد الإقليميّ عامة وبالميدان ومسرح العمليات السوريّ خاصة، إذ انّ المقاومة وبعد تقدير موقف استراتيجي وعملاني موضوعي وجدت ضرورة وضع قرارها بحماية الأجواء موضع التنفيذ وهو القرار الذي سبق وأعلنه قائدها، اثر عمليات الخرق الجوي لأجواء الضاحية الجنوبية بطائرتين مسيّرتين انفجرت إحداهما في سماء الضاحية يومها/ القرار الذي تضمّن عزم المقاومة على “التصدي لمسيّرات العدو وفقاً للظروف العملانيّة وللقدرات المتاحة”. وكان التنفيذ العملي بإسقاط طائرة مسيّرة قرب الحدود مع فلسطين وإطلاق صاروخ على طائرة مسيّرة فوق وسط الجنوب.

لقد أوْلَت “إسرائيل” قرار المقاومة وتنفيذ القرار هذا العناية البالغة وناقشت ودرست ووضعت الخطط لمعرفة حقيقة ما تملك المقاومة في مجال الدفاع الجوي، وحقيقة عزم المقاومة على استعمال تلك القدرات في “مرحلة المعركة بين الحربين أو بين الحروب”، ولذلك أمعنت “إسرائيل” باستفزازاتها للمقاومة في لبنان لاستطلاع ما تملك، استفزازاً تمثل بتكثيف الطلعات الجوية فوق لبنان كلّ لبنان، أو باتخاذ لبنان منصة لقصف أهداف في سورية، في المقابل أحجمت المقاومة فيالبدء عن الردّ تاركة الشأن للدولة عسى أن تتمكّن عبر ما تملك من علاقات وصداقات دولية واحتماء بقواعد القانون الدولي العام، تتمكّن من وقف الانتهاكات “الإسرائيلية”. لكن الظنّ أو الأمل خاب مرة أخرى ووجدت المقاومة نفسها أمام التحدي لتنفيذ قرارها، فأقدمت على الردّ الدفاعي بشكل أغاظ “إسرائيل” الى درجة دفعها وبكلّ وقاحة الى مناقشة “ضرورة الردّ على عمل المقاومة ضدّ مسيّراتها بشكل ردعيّ انتقاميّ”.

لقد أقدمت المقاومة على وضع قرارها موضوع التنفيذ، لأنّ المنطقة دخلت بعد خروج ترامب من البيت الأبيض في مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها، مرحلة يُعاد فيها رسم المشهد الميدانيّ وجمع أوراق القوة، مرحلة تتجنّب المواجهات العسكرية والحرب المباشرة بين أطراف النزاع والصراع وتتوخى فيها قوى العدوان الى منع سورية والمقاومة معها من الحسم العسكري والسياسي، ومنع استعادة الأمن والاستقرار، ومنع استثمار الانتصارات التي تحققت خاصة خلال الأعوام الخمسة الماضية، مع تزخيم العمليات العسكرية والإرهابية في الميدان لجمع ما أمكن من أوراق قوة متعددة معنوية أو مادية وعسكرية إلخ… للضغط بها عندما يحين وقت رسم مستقبل المنطقة والخروج من مأزقها وهو وقت لم يعُد بعيداً بعد أن تشكلت الآن معظم عناصره.

وفي سياق جمع أوراق القوة هذه يصنّف “استعراض القوة في كلام كوخافي مؤخراً” وتكثيف العمليات العدوانية الجوية الإسرائيلية على سورية وخرق السيادة بالعمليات العدوانية الجوية الإسرائيلية على سورية وخرق السيادة اللبنانية وتنشيط العمليات الإرهابية في كلّ من سورية والعراق والتحضير لاستئنافها في لبنان، وفي المقابل نجد سقف الردّ الإيراني السياسي والعملي العالي بوجه الغرب الأميركي والأوروبي، والسلوك السوري الفاعل بوجه العدوان الجوي الإسرائيلي والنشاط الإرهابي المتجدّد؛ ويأتي بدء استعمال المقاومة لقدر من قدراتها في الدفاع الجوي في هذا السياق أيضاً. استعمال لا يكشف كلّ ما تملك ولا يفقدها عنصر المفاجأة في الحرب المقبلة، ولكنه يخرج بعض الشيء عن سياسة “الغموض البناء” التي تحكم موضوع الدفاع الجوي لدى المقاومة، ويظهر شيئاً من عناصر القوة من دون ان يكشف كلّ تلك القوة.

وفي الخلاصة نستطيع القول إنّ تصرفات أطراف الصراع في المنطقة باتت محكومة بعاملين أساسيين، الأول هو القناعة بأنّ الحرب والمواجهة العسكرية المفتوحة والشاملة مستبعَدة، لأكثر من اعتبار لن نخوض في تفاصيلها الآن، والثاني القناعة بوجوب إظهار القوة وجمع أوراقها للضغط بها، وهذا ما تقوم به المقاومة الشريفة ومحورها في كامل المنطقة بما في ذلك اليمن أيضاً، وعليه نقول إنّ لبنان في مواجهة العدوان “الإسرائيلي” والانتهاكات الجوية “الإسرائيلية” بات فعلاً أمام فرع جديد من معادلة الردع الدفاعيّ تتصل هذه المرة بالدفاع الجويّ وسيكون على “إسرائيل” أن تُعيد حساباتها في هذا النطاق وتكون المقاومة قد سجلت إنجازاً جديداً في توقيت يناسبها ويخدم مصلحة الدفاع عن لبنان.

البناء

Exit mobile version