هل اقتربت إيران من القنبلة النووية فعلاً؟

حسن صعب | باحث لبناني

ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، نقلاً عن تقرير للخبراء ،أن إيران أصبحت قادرة خلال فترة شهر واحد تقريباً على امتلاك ما يكفي من المواد لتزويد سلاح نووي واحد بالوقود.

وأشار تقرير صدر الإثنين ، عن “معهد العلوم والأمن الدولي”، وهي مجموعة مستقلة متخصصة في تحليل النتائج التي توصلت إليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى أن تخصيب إيران خلال الصيف لليورانيوم بدرجة نقاء 60%، وهو مستوى قريب من مستوى القنبلة، قد جعل طهران قادرة على إنتاج وقود قنبلة واحدة “في غضون شهر واحد”!

وقدّر التقرير أنه بإمكان إيران “إنتاج وقود السلاح الثاني في أقل من ثلاثة أشهر، والثالث في أقل من خمسة أشهر”.

ولفتت “نيويورك تايمز” إلى أنه رغم ذلك، فإن تصنيع رأس حربي حقيقي، أي رأس يمكن أن يصلح للتركيب على صاروخ إيراني ويتحمل إعادة دخول الغلاف الجوي، سيستغرق وقتاً أطول بكثير(1) .

هذا التقريرالصادر عن مؤسسة”مستقلة” أثار مخاوف غربية وإسرائيلية بالخصوص ،من اقتراب حصول إيران على المواد الضرورية لصنع قنبلة نووية، وهي اللازمة التي تردّدها أوساط ومصادرمتخصصة أو ذات صلة، كما الأوساط السياسية والأمنية في الغرب والكيان الإسرائيلي منذ عقدين وأكثر!

وقد حذّر أحد رؤساء الطاقم الذي أشرف على إعداد التقرير، ديفيد أولبرايت، من أن تصرفات إيران تشير إلى جهود من جانب الحكومة الجديدة للرئيس إبراهيم رئيسي، للبحث عن شروط جديدة، أكثر ملاءمة لها، في المفاوضات بشأن استعادة العمل بالاتفاق النووي المبرم مع القوى الكبرى عام 2015.

وقال أولبرايت، وهو أيضاً رئيس المعهد: “علينا أن نكون حذرين، حتى لا ندعهم يخيفوننا”.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد قد حذّر قبل أيام من أن إيران أصبحت “على وشك” الحصول على ترسانة نووية.

وفي فبراير، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن إيران ربما تكون على بعد أسابيع من امتلاك مواد لسلاح نووي إذا واصلت خرق الاتفاق النووي. (2)

في المقابل ،قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذريّة رافائيل غروسي إن الوكالة التابعة للأمم المتحدة حلّت القضية الأكثر إلحاحاً مع إيران، بالتوصل إلى اتفاق فيما يتعلق بخدمة معدّات المراقبة، مما يفتح الباب أمام جهود دبلوماسية أوسع نطاقاً.

وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية  التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن معدّات مراقبة موضوعة في منشآت نووية إيرانية، في بيان مشترك صدر على هامش زيارة مديرها العام رافاييل غروسي إلى طهران.

وجاء في البيان المشترك بين وكالة الطاقة الذرية والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، والذي أوردته وكالة “إرنا” الإيرانية، أنه تم “السماح لمفتّشي الوكالة بالصيانة الفنية والتقنية لأجهزة المراقبة المحددة، واستبدال بطاقات الذاكرة لهذه الاجهزة التي ستُختم من قِبل الجانبين وتُحفظ في ايران”.

غير أن إيران لم تسمح للوكالة بالاطلاع على تسجيلات الكاميرات.

وكانت طهران أعلنت في شباط (فبراير) أنها ستسلّم التسجيلات للوكالة في حال التوصل الى تفاهم لإعادة احياء الاتفاق النووي ورفع واشنطن العقوبات المفروضة عليها.(3)

على الجانب الإسرائيلي ،وبما يكشف حالة التخبّط لديه من جهة، ومحاولة الاستثمار في ما يسمّى ملف إيران النووي من جهة أخرى ، نقلت صحيفة  “هآرتس” عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن “إيران ربما اختارت عن قصد سياسة المماطلة المستمرة في المحادثات حول الاتفاق النووي، من أجل استغلال هذه الفترة التي قد تستمر لسنوات، كي تصبح في نهاية المطاف دولة نووية”!

واعتبرت الصحيفة أن الاتفاق بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران بشأن معدّات المراقبة للمنشآت النووية الإيرانية، يعزّز شكوك إسرائيل حيال الدوافع الإيرانية، وإذا ما كانت موافقة طهران على صيانة معدات المراقبة تدل على رغبتها بالتقدم نحو اتفاق نووي جديد، أم أن هذه الخطوة ترسّخ التقديرات بأن القيادة الإيرانية الجديدة تسعى للانسحاب بشكل كامل من الاتفاق النووي.

وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل تركّز في الأشهر الأخيرة على هدفين مركزيين ضد إيران، وهما إحداث مسافة ثابتة وكبيرة تمنع تحوّل إيران إلى دولة نووية، ووقف التحركات العسكرية الإيرانية في الشرق الأوسط.(4)

هذه العبارة الأخيرة تكشف النيّة الحقيقية لدى قادة الكيان،الذين لا يريدون أن تصبح إيران قوّة عظمى، على مستوى المنطقة أو خارجها، سواء في المجال النووي السلمي أم غيره من المجالات العلمية والاقتصادية والعسكرية ،لأن “إسرائيل” تخشى من تنامي القدرات الإيرانية التي تسهم في حماية ودعم المحور الإقليمي المعادي لها في المنطقة، والذي تمكّن بفضل الدعم الإيراني المفتوح من إجبار الكيان على التراجع في عدة ساحات، مع خلق ميزان ردع متين مقابل الكيان في الأعوام الأخيرة ،وبالخصوص في الساحتين الفلسطينية واللبنانية.

إذاً ،يمكن تفسير القلق الإسرائيلي والغربي من احتمال وصول طهران إلى ما يسمى العتبة النووية، بأنه لترسيخ الهيمنة النووية الغربية والإسرائيلية من ناحية، ولاستباق أي محاولات من قبل إيران لتحقيق خرق علمي نووي أو غير نووي، سلمي أو عسكري، وبما يهدّد “التفوّق” الإسرائيلي الذي يحمي الكيان من”أعدائه الكثر”في المنطقة.

وبكلام آخر،لا تريد الولايات المتحدة وحليفتها “إسرائيل” أن تتحوّل إيران (والمحور الذي تسانده)إلى دولة ذات قدرات مادية واقتصادية وعسكرية نوعية، لأن في هذا التحوّل تهديداً مباشراً لهيمنة الحلف الأميركي – الإسرائيلي ،ولوجود الكيان نفسه، الذي يرفضه المحور المدعوم من إيران، سياسياً وفي الميدان.

وأخيراً ،تبرز في السياق عدة تساؤلات موضوعية، وأهمها :

أولاً -لم تقدّم الوكالة الدولية للطاقة الذرية طيلة السنوات الماضية أي أدلّة مادية قطعية حول نوايا الإيرانيين ببناء برنامج نووي عسكري، سواء قبل الغزو الأميركي للعراق أم بعده؛ وظلّت اتهامات الوكالة لإيران في الإطار السياسي أو الشكوك والظنون غير القطعية.

ثانياً -تكشف المواقف الغربية حيال ملف إيران النووي انحيازاً واضحاً للكيان الإسرائيلي ،عبر تجاهل تام لقدراته النووية العسكرية المثبتة في تقارير ودراسات كثيرة، منذ أواسط القرن الماضي ؛وهو ما تترجمه الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الفاعلة فيها، عبر تغييب ملف “إسرائيل” النووي العسكري تماماً عن ساحات النقاش والمتابعة على أي مستوى.

ثالثاً -إن انسحاب إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي الدولي مع إيران ،الموقّع في العام 2015 في عهد باراك أوباما، هو الذي أدّى إلى تراجع الإيرانيبن عن بعض التزاماتهم في الاتفاق، والتي لم تصل في أي وقت إلى حد التحوّل نحو البعد العسكري في برنامجهم النووي؛ ويمكن تفسير الخطوات الإيرانية الأخيرة بأنها لدفع إدارة جو بايدن للتراجع عن شروطها الجديدة لإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران ،والتي تريد الأخيرة العودة إليه من دون تعديلات أو شروط سياسية لا صلة لها بمضمون وروح الاتفاق المذكور،والمرتبطة بقدرات إيران الصاروخية ودعمها لحركات المقاومة في المنطقة.

الهوامش

(1) نيويورك تايمز”: إيران على مسافة شهر تقريباً من إنتاج وقود لصنع سلاح نووي واحد.

، أبوظبي، 14/9 /2021. 24aeموقع

المرجع السابق. (2)

(3) ما جديد الملف النووي الإيراني، موقع المركزية ،12/9/2021.

(4) إسرائيل :الاتفاق النووي الإيراني سيّء ولكن قد يكون مفيداً،

موقع المدن، 13/09/2021.

Exit mobile version