كتب فؤاد البطاينة | اللغز الأردني.. نظام مستقر وأمن مستتب ودولة متهالكه

فؤاد بطاينة | كاتب وباحث عربي

ما يحدث في الأردن من تراجع ممنهج ، وعميق ينهي ترابط مكونات الدولة ويجعلها فاشلة طاردة ويلاحق شعبها بثقافته القيمية ، لا يمكن أن يَحدث ويَقترن بوجود نظام أمن ومستقر خارجيا وداخلياً وحلفاؤه كلهم أقوياء وأثرياء ولا عدو خارجي له ، وبشعب مسالم تُنزع صفته عنه ويعاني صنوف الإذلال والإفقار والضغوطات وينادى بذات الوقت لا للفوضى ولا للثورة في الأردن. ولا صوت منه يعلو كفاف عيشه ، رغم أنه على أرض تعوم على الثروات المعدنية وعلى بحيرات من النفط والغاز نصفها مفروشة فوق الصخر الزيتي. حالة النظام المستقرة عندما تنتج وضعاً رهيباً كهذا لا يتفق مع أي معيار في أي دولة هو لغز يجب أن لا يبقى مستعصياً على الإدراك. وإدراكه يكفي ليتلمس الأردنيون رؤوسهم ويتحسسوا رؤوس أجيالهم ويستشعروا المحطة التي هم اليها ذاهبون ووجهة دولتهم ووطنهم.

لست ممن ينشغلون بالتوصيف للحالة وبمعالجتها لأنها معطوفة. والحديث والعمل المنتجين هو على المعطوف عليه. فعندما نتكلم عن فشل أو نجاح الدول فإنما نتكلم عن طبيعة النهج السياسي فيها. فهو المعطوف عليه والأساس والمنطلق سواء في نجاح الدول واستدامة تنميتها وصمودها، أو في تخلفها وفشلها وانهيارها. والفرق في هذه الطبيعة هو بين سلامة أو عدم سلامة النهج السياسي، وطنياً، أي عندما ينطلق من المصالح الوطنية والقرار الحر النابع من إرادة الشعب ومراميه في حماية وطنه ودولته ومكاسبها وتنميتها المستدامة في إطار من العدالة الإجتماعية، من دون إخضاعه لأي مؤثرات أو إرادة أجنبية صديقة كانت أو عدوة. ذلك أن النهج السياسي الحاكم وبما يمتلكه من عناصر القوة والنفاذ هو صاحب القرار في تشكيل إدارة الدولة ومديريها بكل قطاعاتها ومواردها وقواها البشرية والعلمية. فالإدارة الفاسدة تدمردولة بمواردها الضخمة وعقولها، والناجحة تحيي دولة وتجعلها عظيمة حتى لوكانت شحيحة الموارد.

ومن هنا نقول بأن ما يجري في الأردن بالتأكيد أصله ومنطلقه هو الفساد السياسي المرتبط بالتزام النظام من لحظة إقامة الدولة بشرط اعتماد نظامها بنهج سياسي يقوم على تسخير هذه الدولة لخدمة وإنجاح المشروع الصهيوني على الصعيدين الخارجي والداخلي، هي دولة دور ونظام دور محدد. ولا يتضمن هذا النهج الإبقاء على هذه الدولة لسكانها ولا تنميتها بل أن تبقى دائماً فقيرة ومحتاجة تعيش على على التنقيط في غرفة الإنعاش ليوم النحر ، فلا تقوى على النهوض ولا على حماية نفسها ، فهي لم تقم كدولة سايكوسبيكية، بل بلفورية. وفي نهايات الدور تُترك للتفكيك وفك ارتباط النظام بالشعب والوطن ويُخضَعُ شعبها لمعاناة الاستعمار والإحتلال والتغريب عن الوطن بخلق بيئة طاردة للسكان في المعيشة والأمن والمستقبل المجهول. وليس من وسيلة في هذا أبلغ من إطلاق يد وفاه الفساد ليتعظم من الرأس للقدم في جهاز الدولة وتحطيم القطاع الخاص الوطني وتكريس البيئة الطاردة للإستثمار.

ومنذ عقدين تقريبا، وبدعم وتغذية من الدولة العميقة وهي برأيي المستند لحقائق لا تضحد “أمريكية صهيونية ” بامتدادها المقيم في عمان ، استشرى هذا الفساد وأصبح “نهج حكم” لا يعاقب القانون عليه. حتى عاد المال العام وأصول الدولة من أراض وموارد ومياه ومؤسسات انتاجية وخدمية بأيد أجنبية، وخزينتها نهباً بأيد وطنية. وعادت الدولة لا تملك مُلكها وممتلكاتها ولا قرارها. والشعب يعاني من غلق أبواب الرزق في وجهه، ويدفع الخُوّات والجزية في كل حركة له بلا دستور وبتسفيه للفكرة الضريبية , وبهذه الخُوّات تُسبّر الدولة. لأن المعونات والبيوعات والديون بعلم أمريكا لها قنواتها ومصبها. ولكنها في النهاية سياسية ولها ثمن ، وتم ربط شرايين الحياة لشعب الدولة وأجياله بإرادة عدوه الصهيوني الوجودي وجيء بالجيش الأمريكي حليف هذا العدو وحامل مشروعه باتفاقية لا تسري مع دولة لها سيادة. وتحت غطائها تقام المستوطنات الصهيونية وتَجري الصفقات ويُعبث بالتاريخ. ولم يعد لهذا الشعب مرجعية وطنية فلا قديمة تعود ولا جديدة تقوم. وهذه مؤشرات على أن الدولة في نهايات الدور الذي يمهِد لدور أخر لنظام أخر وصولا للإستعمار المعلن وضم الوطن للإحتلال في فلسطين.

. وبالتالي فإن الدولة الأردنية تعيش اليوم فصلا متقدماً لا يحتمل ولا يتقبل في سلطاتها وإدارة مفاصلها إلّا من يكون لديه استعداد لتنفيذ أوامر وقرارات متقدمة الخطورة ، أو الصمت على تمريرها. ومن يحاول التلكؤ أو التساؤل حولها أو انتقادها من المسؤولين عن التنفيذ يُستبدل بغيره. ولكن بالمقابل مع جنون القرارات وتعظيم معاناة الشعب وتساقط الأقنعة أمامه وشيوع اليأس والشعور بالغدر ، سيتعاظم حجم الرافضين وتتناقص الأسئلة والحيرة وتتبدل معايير الحكمة حتى من علبة النظام نفسها ومن وخارجها وعلى المستوى الشعبي العام ، وهذا مما سيعيق سيرورة النهج السياسي في مرحلة متقدمة وهامة للمشروع الصهيوني ولمهمة النظام السياسية.

ولذلك كان لا بد للدولة العميقة من حل سلس يؤدي إلى السيطرة على جهاز الدولة لتأمين استقرار العمل واختصار الجهد والوقت والمتاعب. وهنا جاء قرارها بأن تريح رأسها ورأس النظام. حيث انطلاقا من أن جهاز النظام مسؤول عن تنفيذ طبخات جاهزة فالمشكلة لها أصبحت بالمنفذين وبضرورة عسكرية أدائهم دون سؤال أو نقاش أو معرفة. فكان هذا الحل هو التوجه لاستخدام من يأنسون بهم قلة الثقافة والفهم والإنتماء ، وممن لم يكونوا يحلمون باستلام المواقع القيادية والتمثيلية الشعبية كالمجالس النيابية ويُقطِعون هذه المواقع لهم مكرمة. فأصبح لدينا طبقة سياسية مشوة مضمونها تصريف أعمال الدولة العميقة بموجب “كاتالوج”. فالحكومتات أو الدولة تُسيَّرُ اليوم بالجهل واللّا إنتماء وبما يشبه روبوتات أدمية موجهة بكبسة زر. واستُبقي من العلبة القديمة القليل جداً من المرتبطين بالنظام والنهج منذ تأسيس الدولة للحاجات الفنية.

وحيث أن هذا يُسهِّل أخذ القرارات الموصلة للقرارات المصيرية، بقي أمام الدولة العميقة أو أمريكا مشكلتين هما أخذ القرارات المصيرية باسم الشعب ( زوراً ) وضبط الشارع السياسي الشعبي ليبقى في حالة سكون. وهذا ما غطته عملية الإصلاح الأخيرة بتمخضها عن تعديلات دستورية لتفريغ الدستور من مضمونه كعقد اجتماعي، بمعنى إلغائه، وعن قوانين الأحزاب والإنتخاب لفسح المجال أما أحزاب ومجلس نواب جديدين على القياس المطلوب ، وضبط الشارع بتصفية الأصوات والأحزاب الوطنية أو اعدام تأثيرها وبعد.

وفي ختام قراءة الوجه الأخر للسردية الأردنية أقول، ليس اليوم في الأردن مسؤول واحدٌ مهما كان نظيفاً أو متورطاً، ولا مواطن واحد مهما كان ميسورا أو فقيرا عاد يخطط لحياته في هذا البلد إذا استمرت السيرورة لهذا النهج. بمعنى هناك تطلع للهرب بدلاً من المواجهة. وما لا يعلمه الكثيرون، أننا في عصر سياسي استقر فيه مفهوم على أن الوطن هو كل شيء. هو الخُلق والدين والدنيا والكرامة الإنسانية. وديننا أمربالشهادة دونه مُبكراً. معظمنا لا يحسون بتجربة لم يمروا بها مهما قرأوا عنها، وهي عندما يكون هذا المهاجر بلا وطن يعود اليه ولا هوية وطنية يستند اليها، فليس من حالة أصعب وأذل منها وأكثر تيهاً ولا أمان، مهما امتلك من مال. حالة لا يرتضيها إنسان لأبنائه وأحفاده ولا حين موقف الله العظيم. ففقدان الإنسان لوطنه أكبر من حالة معاناة الحنين والعاطفة حين تتأجج بصدره بلا ماء يطفئها. ولمن لا يتابع، أن يتأكد بأن الفلسطيني الذي قيض له البقاء في وطنه عندما يتواجه مع المحتل على أرضه يتفجر فخرا وأنفة وكرامة وعنفوانا يُقدِّم على مذبحها حياته رخيصة ، بينما المحتل المدجج بالسلاح نقرأ في وجهه عند المواجهة الذل والغربة والتفكير بحتمية خروجه من وطن الغير. هل في هذا رسالة للأردنيين.

 

Exit mobile version