كتب د . محمد سيد احمد | التنمية بعيداً عن التبعية حلم بعيد المنال !!

الدكتور محمد سيد احمد | كاتب وباحث مصري

ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية المستقلة بعيداً عن التبعية، فمنذ التحاقي بقسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس قبل ثلاثة عقود ونيف وأنا أدرس النظريات الاجتماعية التي تتحدث عن تنمية وتطور المجتمعات ومن بين أشهر هذه النظريات، نظرية التحديث الغربية التي تؤكد على أن مجتمعات العالم الثالث إذا أرادت أن تلحق بركب التنمية والتقدم فعليها أن تتبع نفس الطريق الذي انتهجته الدول الرأسمالية المتقدمة، وفي المقابل قرأنا ودرسنا نظرية التبعية وهي نظرية مناقضة لنظرية التحديث حيث تؤكد على أن الدول الأغنى في حاجة دائمة للدول الأفقر حتى تستمر هي في النمو، لذلك تحرم هذه الدول من الإنتاج وتجعلها دائماً مضطرة لتزويدها بالمواد الأولية والأيدي العاملة الرخيصة، وبالتالي تصبح مجبرة على شراء المنتجات والسلع من الدول الاستعمارية الغنية، وبالنسبة لأنصار نظرية التبعية لا يمكن لدول الجنوب أن تنمو بدون التحرر من علاقات التبعية التي تربطها بدول الشمال، إذ أن نمو دول الشمال يرتكز على تخلف دول الجنوب.

وفي محاولة النظام الرأسمالي العالمي لإقناع دول الجنوب بأن النمو وفقاً لنظرية التحديث هو الطريق الأصلح لها وذلك في ظل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، فقد تم اختراع مؤسسة تتخذ صفة الدولية لكنها في حقيقة الأمر تعمل لصالح النظام الرأسمالي العالمي الفاشي المنحط، وهذه المؤسسة هي صندوق النقد الدولي، وهو المؤسسة المالية الدولية التي تأسست عام 1944، ثم بدأ الوجود الرسمي لها في عام 1956 عندما شاركت في عملية التأسيس 29 دولة، ووصل عدد أعضاء الصندوق اليوم 190 دولة حيث يلعب الصندوق دوراً مركزياً في إدارة ميزان المدفوعات والأزمات المالية العالمية، وتساهم الدول في تمويل احتياطات الصندوق عبر نظام الحصص الذي يسمح للدول باقتراض المال عندما تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات وتتحدد الحصص وفقاً لقوة الاقتصاد حيث تشكل الولايات المتحدة الأمريكية أكبر اقتصاد في العالم وتساهم بالنصيب الأكبر اليوم في الصندوق بنسبة 17,6%، ويعلن صندوق النقد الدولي في أهدافه الموضحة في بنود الاتفاقية أنه يعمل على تحسين جودة اقتصاديات الدول الأعضاء عبر التمويل النقدي، وجمع الاحصائيات والتحليلات ومراقبة اقتصاديات تلك الدول، ومطالبتها بتطبيق بعض السياسات مثل تحفيز التعاون النقدي الدولي والتجارة الدولية، والحفاظ على معدلات التوظيف المرتفعة، واستقرار سعر الصرف، وتحفيز النمو الاقتصادي، وإتاحة الموارد للدول الأعضاء في أوقات الأزمات المالية، وتقليص الفقر في مختلف أنحاء العالم.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هل بالفعل يقوم الصندوق بأهدافه المعلنة ؟ وهل يساعد دول الجنوب على تحقيق التنمية المطلوبة للحاق بركب الدول المتقدمة ؟ والإجابة تؤكد أنه بعد الاطلاع على تجارب الدول التي اتبعت تعليمات الصندوق فإن أهدافه الحقيقية تسيرعكس أهدافه المعلنة، فصندوق النقد الدولي يعد أحد أهم الأدوات الاستعمارية التي اخترعها النظام الرأسمالي العالمي بهدف إفقار شعوب العالم الثالث، فمنذ انتهاء الاستعمار العسكري التقليدي في منتصف القرن العشرين على يد حركات التحرر الوطني في دول الجنوب، والدول الاستعمارية القديمة والحديثة تحاول البحث عن آليات استعمارية جديدة وغير تقليدية، وقد تفتق ذهن الغزاة إلى استحداث آلية استعمارية اقتصادية جديدة وغير مباشرة وقد تمثلت هذه الآلية في صندوق النقد الدولي وهو بديل لصندوق الدين المعروف في ظل الامبراطوريتين الاستعماريتين الانجليزية والفرنسية في القرن التاسع عشر، ولمصر تجربة مريرة مع الصندوق القديم حين استدان منه الخديوي اسماعيل وكان بداية للتدخل الأجنبي في شؤون مصر ومهد للغزو والاحتلال البريطاني في عام 1882.

أما تجربتنا مع الصندوق الجديد فبدأت مع مطلع تسعينيات القرن العشرين وبعد عشر سنوات من حكم الرئيس مبارك، الذي صدع رؤوس المصريين بأن ” صندوق النقد الدولي يحاول الضغط عليه لتخفيض الجنيه ٣٠٪ لكي يرفع الأسعار ٦٠ أو ٧٠٪ وهو ما سيضر بأحوال الفقراء ومحدودي الدخل “، ويؤكد ” أن الصندوق يريد أن يغرقنا بأي طريقة لكي يظل يعمل معنا دائماً من أجل إصلاحات مستمرة “، ورغم هذا الاعتراف من مبارك ومقاومته له على حد تعبيره إلا أنه خضع له في النهاية، ففي سعيه للبحث عن حل للمشكلة الاقتصادية المتفاقمة لم يجد أمامه سبيل إلا السير وفقاً لنظرية التحديث، حيث أطلق عملية الاصلاح الاقتصادي، والتكيف الهيكلي، ووجدنا الأداة الاستعمارية المعروفة بصندوق النقد الدولي تفرض وجودها وإرادتها وشروطها على مبارك وحكوماته المتتالية، حيث بدأت عملية تصفية وبيع القطاع العام، وفرض ضرائب متعددة على المواطن المصري الفقير، وتم تعويم الجنيه حيث انخفضت قيمته عدة مرات أمام الدولار، وكانت نتيجة تنفيذ مبارك لروشتة الاصلاح الاقتصادي المفروضة من الصندوق هو مزيد من الديون، ومزيد من المعاناة لجموع المصريين، ومزيد من الفقر، لذلك أطلق بعض المصريين على الصندوق مسمى صندوق الفقر الدولي.

ومنذ مطلع الألفية الثالثة زاد الحديث عن تركيز الصندوق على تخفيف حدة الفقر كهدف موسع لجميع أعماله، وأنه يركز جهوده على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي تمت الموافقة عليها من جانب أعضاء الأمم المتحدة عام 2000، والتي تستهدف تحقيق تخفيف مستدام لحدة الفقر، لكن وعلى الرغم من ذلك تؤكد العديد من الدراسات أن غالبية الدول التي لجأت لصندوق النقد الدولي لم تتمكن من التغلب على مشكلات الفقر ولم تتمكن من تحقيق أي شكل من أشكال التنمية، ويعتبر بعض المراقبين والمحللين صندوق النقد الدولي أبرز أدوات النظام الرأسمالي العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لتكريس التخلف والتبعية لمجتمعات العالم الثالث، حيث يقوم بإقراض الدول الفقيرة بقصد التنمية ظاهراً بينما هو في الحقيقة يقوم بتطبيق الشروط الخاصة به والتي عادة ما تكون ضد مصلحة الدول الفقيرة، فالصندوق يقوم بإقراض الدول الصغيرة بما يساعد حكومات الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية على التدخل اقتصاديا في هذه الدول، عبر استثمارات وجماعات ضغط تجعل من هذه الدول تابعة لها، وبالطبع هناك العديد من الأمثلة التي تؤكد ذلك وتدعمه فغالبية الدول التي اقترضت من الصندوق مازالت تعاني من ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتي تتزايد بتزايد معدلات الديون، حيث يرغم الصندوق هذه الدول على اتباع نمط اقتصادي معين يجعله يتدخل بشكل مباشر في السياسات الاقتصادية لهذه الدول، فهل يمكننا الآن إعادة قراءة نظرية التبعية، والبحث عن نموذج تنموي بعيداً عن نظرية التحديث وصندوقها النقدي الدولي الذي كرس تخلفنا، وجعل حلم التنمية المستقلة بعيد المنال، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

البناء

Exit mobile version