كتب د . محمد سيد أحمد | الرئيس الأسد بوابة العبور للقيصر بوتين!

الدكتور محمد سيد أحمد | كاتب وباحث مصري

العلاقة بين الرئيس الأسد والقيصر بوتين من أقوى العلاقات بين زعيمين في العالم، بل أكاد أجزم بأنّ الرئيس الأسد هو أقرب زعماء العالم إلى قلب وعقل القيصر بوتين، ولعلّ الحفاوة الكبيرة التي يستقبل بها القيصر الرئيس الأسد في مقابل الجفاء الذي يستقبل به كلّ الرؤساء الآخرين خير شاهد وخير دليل.

وتعجّ وسائل الاتصال الحديثة وفي مقدّمتها موقع يوتيوب بالعديد من الصور ومقاطع الفيديو الموثقة التي تؤكد ذلك وتدعمه، ويمكن لأي محلل سياسي أن يراجع لقاءات القيصر في السنوات السبع الأخيرة مع رؤساء وزعماء العالم ويرصد فقط من خلال لغة الجسد مدى طبيعة العلاقة بينه وبين هؤلاء الرؤساء والزعماء وسوف يتأكد بعد التحليل أنّ علاقته بالرئيس الأسد تختلف تماماً عن علاقته بالآخرين.

هذا بالطبع بعيداً عن المواقف فلا شكّ أنّ علاقة روسيا بسورية منذ بداية الحرب الكونية عليها في مطلع العام 2011 ليست علاقة عادية فروسيا التي لم تستخدم حق الفيتو منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 إلا نادراً قامت باستخدام هذا الحق بشكل مفرط وكبير لحماية سورية ومنعها من السقوط بعد العدوان الكوني الوحشي عليها الذي تجاوز اليوم أحد عشر عاماً، وتدخل روسيا في الحرب بشكل مباشر منذ العام 2015 وإرسال قوات وآليات عسكرية وخبراء للعمل كتف بكتف بجوار أبناء الجيش العربي السوري لمنع توغل الجماعات التكفيرية الإرهابية التي أرسلها العدو الأميركي وحلفاؤه إلى سورية وسيطرت على مساحات واسعة من الجغرافيا العربية السورية، وهنا ومنذ بدء عملية التحرير لم يكن جيشنا العربي السوري وحيداً بل كان الحليف الروسي حاضراً وبقوة، وعندما أرادت قوى العدوان الأميركي والصهيوني أن تعزل سورية عن العالم، وتجعل الرئيس الأسد وحيداً وسط الغابة الكونية الموحشة، كان القيصر بوتين موجوداً دائماً بحضنه الدافئ وكان دائماً ما يشدّ عضد الرئيس الأسد ويكسر حاجز العزلة بزيارة تقول له «لستَ وحدك ولكننا معك».

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ اللحظة الأولى لبدء الحرب الكونية على سورية أدرك الرئيس الأسد حجم المؤامرة على بلاده لذلك قام وبمهارة فائقة بإدارة الحرب من خلال عقد تحالفات استراتيجية مع بعض القوى الدولية على أرضية المصلحة المتبادلة وكانت روسيا بقيادة القيصر بوتين هي الحليف صاحب المصلحة الأكبر، فهزيمة سورية تعني أنّ روسيا قد فقدت وجودها إلى الأبد في منطقة الشرق الأوسط، وبالطبع إلى جانب الوجود الوحيد لها على المتوسط في طرطوس كان مشروع مد الغاز القطري إلى أوروبا عبر سورية جاهزاً ليضرّ بمصالحها الاقتصادية باعتبارها المصدر الأول للغاز لكلّ الدول الأوروبية، ومن هنا جاء الوقوف المبكر وبشراسة خلف سورية خاصة في المحافل الدولية حيث شكل الفيتو الروسي حائط صدّ لإجهاض أيّ محاولة للتدخل العسكري المباشر في سورية حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية، ويمكننا أن نؤكد أنّ الحرب الكونية على سورية والدور الروسي بها هو من أعاد لروسيا قيمتها ووزنها كقوى دولية كبيرة على المستوى العالمي وأنهى بشكل قاطع الدور الأميركي الأوحد.

وحين اشتدّت الحرب الكونية على سورية وأصبح الجيش العربي السوري بعتاده وسلاحه ومنظومته الصاروخية الدفاعية غير قادرة على حسم المعركة على الأرض في ظلّ الدعم الأميركي والأوروبي والصهيوني والعربي للجماعات التكفيرية الارهابية التي جاءت من كلّ أصقاع الأرض ومدتها بعتاد وأسلحة متطوّرة، وحين أعلنت أميركا عن تحالف دولي لمكافحة الإرهاب على الأرض السورية كان الهدف منه مدّ الجماعات الإرهابية بمزيد من السلاح والعتاد لمواصلة الحرب ضدّ الجيش العربي السوري، هنا كان لا بدّ من التدخل الروسي وبقوة وبالفعل تدخلت روسيا ومدّت الجيش السوري بأكبر منظومة صاروخية دفاعية روسية استخدمت خارج أراضيها ووجه الطيران الروسي ضربات موجعة للجماعات الإرهابية على الأرض مكنت الجيش العربي السورى من التقدّم والسيطرة وتحرير الأرض المغتصبة من يد الجماعات الإرهابية التي اضطرت تحت الضربات المكثفة من الفرار والهروب من المصير المحتوم على يد قوات الجيش العربي السوري، وفي ظلّ الانتصارات كانت الدبلوماسية الروسية والسورية تدير معركة أخرى على طاولة المفاوضات السياسية حققت فيها تقدّماً كبيراً، فالنجاح والانتصار على الأرض يصاحبه نجاح وانتصار على طاولة المفاوضات حتماً.

وجاءت التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة الدولية حيث دخلت روسيا في حرب مباشرة مع أوكرانيا أحد الدول المجاورة التي أصبحت ألعوبة في يد العدو الأميركي وحلف الناتو مما أدّى لتهديد الأمن القومي الروسي، فاضطر القيصر بوتين أن يعلن عن عملية عسكرية لتأمين حدود بلاده، ومعها يعلن للعالم أن الخريطة الدولية قد تغيّرت بالفعل وأصبح العالم متعدّد الأقطاب، ولم تعد الولايات المتحدة قطباً أوحد كما كانت على مدار العقود الثلاثة الماضية، وهنا وجدت بعض الدول العربية التي كانت ضمن الحلف الأميركي دائماً نفسها في خطر ومآزق شديد، لذلك بدأت تبحث عن بوابات للعبور تجاه روسيا والقيصر بوتين.

لذلك لم تكن زيارة الرئيس الأسد خلال هذا الأسبوع للإمارات العربية المتحدة مفاجأة بالنسبة لي، لأنني أدرك مدى التداعيات التي ستخلفها الحرب الروسية ـ الأوكرانية على الخريطة العالمية وبالطبع على الساحة العربية، فالنجاح الروسي يلقي بظلاله على كلّ الملفات العالقة في منطقتنا العربية ومنها الملف السوري، فسورية والرئيس الأسد التي كانت معزولة على مدار الأحد عشر عاماً الماضية سوف تزول هذه العزلة، وستتبع هذا اللقاء زيارات أخرى لباقي الدول العربية، وسيرحب الجميع بعودة سورية لمقعدها في الجامعة العربية، أملاً في أن يكون الرئيس الأسد وسيطاً بين الرؤساء والزعماء العرب والقيصر بوتين، وبذلك تكون سورية قد انتصرت وعاد العالم ينظر صوب دمشق ويتمنّى زيارتها، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

Exit mobile version