مقالات مختارة

في رحاب معركة إدلب القادمة

عبير بسام | كاتبة وباحثة

تبدأ اليوم زحمة التحركات السياسية باتجاه عودة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وإن جاءت تحت وقع تراشق المدافع في إدلب. ولقد علمتنا سوريا كيف يترافق الصمود مع أزيز الرصاص وينتزع من بين براثن مصالح الرؤوس الكبيرة، رؤوس ستطيح بها الحرب السورية وتنهي وجودها في عالم السياسة إلى الأبد. واليوم، تشهد سوريا زحمة تحركات دبلوماسية منها وإليها، حتى أن مجلة نيوزويك الأميركية نشرت عددها الأخير مع غلاف تصدرته صورة الرئيس السوري بشار الأسد العائد بقوة إلى الساحة الدولية.

أحد عشر عاماً من عرض العضلات المتبادل بين الأميركي والتركي ومن وقف في ظلهم من أجل دفع سوريا للتنازلات والقبول بتسويات مجحفة في حق أرضها وأهلها، ولكن ذلك لم يحدث ولن يحدث أبداً! وما الذي سيدفع سوريا القوية بقيادتها وجيشها وشعبها وتحالفاتها لإعطاء أية تنازلات، بينما هي تسير ثابتة الخطى نحو معركة تحرير إدلب، وباتت التسويات تاريخاً سيذكر ولا يعاد؟ فاليوم عادت درعا إلى الدولة وسقط السلاح خارج نطاقها، وغداً سيسقط سلاح الإرهاب بالتأكيد في إدلب وبعده شرق الفرات، الذي سيكون تحصيلاً حاصلاً وخاصة بعد تعرض القواعد الأميركية للقصف. والحقيقة أن تفريط سوريا بأي شبر من أرضها في إدلب سىيترتب عليه تداعيات خطيرة في مناطق محتلة أخرى من الأراضي السورية ومنها تفريط في سيادة الدولة في شرق الفرات وفي أراضي الجولان المحتلة، فالتفريط تفريط، ولا فرق بين منطقة محتلة وأخرى.

في السنتين الماضيتين قامت تركيا بإحداث تغييرات كبيرة وخطيرة في إدلب، وبات من المستحيل السكوت عنها، وهي تذكّر بما يفعله الصهاينة في فلسطين المحتلة، من فرض رفع اليافطات باللغتين العربية والتركية، إلى افتتاح الجامعات التركية في أعزاز وعفرين، إلى فرض التعامل بالليرة التركية، إلى تهجير الأهالي من القرى الحدودية والتغيير الديموغرافي، إلى احتلال الحاكم بأمر أردوغان لبيوت أحد الأهالي وأرضه وتحويلها إلى مركز حكومي تركي، وفرض بيع الأراضي للغرباء. الوضع بحسب شهود عيان لم يعد يحتمل، الأولاد خارج المدارس وهناك أجيال من الأميين تكبر في ظل الاحتلال، الذين يتم تجهليهم وتحضيرهم لحمل السلاح في محاولة لتحويل إدلب إلى قندهار أخرى مصدرة للإرهاب، تستطيع الولايات المتحدة قصفها أنّى تشاء، وأن تدعي وجودها حجة للبقاء في سوريا من أجل محاربة الإرهاب، تماماً كما حدث في أفغانستان.

إضافة إلى كل ما سبق فإن الجماعات الإرهابية التي ترتع في المدينة، وبعد قطع التمويل الخارجي عنها، بدأت بفرض ضرائب وتعرفات على أهالي إدلب، وخوات تفرض على المعابر الحدودية مع تركيا، وذلك بحسب ما نشره موقع كارنيغي. يحكم الإرهابيون إدلب بالطريقة ذاتها التي حكمت بها “طالبان” قندهار. ولذلك لا يمكن فعلياً تأخير تحريرها، وهو بات قاب قوسين أو أدنى، وتحديداً بعد تفلت إرهابيي “القاعدة” في أفغانستان بعد خروج الأميركي، خاصة وأنه إذا ما ترك الوضع في إدلب على ما هو عليه فستتحول لتصبح بؤرة إرهاب محلية، تصدر مرتكبي العمليات الإرهابية على طول الأراضي السورية. وفي تفجير باص المبيت في دمشق وفي مركز المدينة تحت جسر الرئيس، دليل على ما يحمله هذا الأمر من مخاطر.

سلسلة التحركات الدبلوماسية التي شهدتها دمشق في الآونة الأخيرة، كان أهمها زيارة الرئيس الأسد إلى موسكو. شكلت الزيارة مفصلاً بعد التصريح الذي أطلقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحضور الرئيس الأسد حول وجوب خروج جميع القوات الأجنبية المتواجدة على الأراضي السورية دون موافقة الدولة السورية، ويقصد بذلك أميركا وتركيا حتماً، وشدد على أهمية المحافظة على وحدة أراضيها والكلام موجه هنا لكل من الأتراك وأكراد الحكم الذاتي.

ومهما تكن الزيارات الى موسكو بعد زيارة الأسد، وهي زيارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو رئيسة مجلس سوريا الديمقراطي ووفد الإدارة الذاتية، إلهام أحمد، وحتى رئيس وزراء الكيان الصهيوني نفتالي بينيت، فهي ليست ذات أهمية حقيقية تذكر، لأن هذه الزيارات جاءت من أجل مطالب وتطلعات وأطماع، في حين أن زيارة الرئيس الأسد وبحضور وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو جاءت لهدفين أساسيين التزمت بهما كل من سوريا وروسيا في سبيل المصلحة المشتركة ما بين البلدين ألا وهما: بدء معركة تحرير إدلب وبدء عملية إعادة الإعمار والاستثمارات الروسية في سوريا. وفي حقيقة الأمر، إن التصريحات الروسية بأن حزب الله لاعب إقليمي هام في المنطقة، لهو دليل على الالتزامات الروسية لصالح حلفائها الذين قاتلت إلى جانبهم وأن المرحلة القادمة ستنبئ عن قوة بناء هذه التحالفات.

وبناء على ما سبق، ولكن بمرافقة أصوات المدافع، ستعطى للتسويات السياسية الفرصة الأخيرة، لعل تركيا تقوم بما تعهدت به في اتفاقيات سوتشي وأستانة بالخروج من سوريا ووقف دعم الإرهابيين والحفاظ على سلامة ووحدة الأراضي السورية المستقلة ومن ضمن فروعها حماية اوتوستراد حلب اللاذقية “الـ M4” من الإرهابيين. ولكن الأمر سيكون كمن ينفخ في قربة مقطوعة، فتركيا ستتخبط ولن تفي بتعهداتها وستدوسها رحى معركة إدلب مع حلفائها من إرهابيي “النصرة” على مختلف تسمياتهم. ويبدو أن أردوغان يعيش كوابيس الهزيمة، وهو يسير على غير هدى في تحالفات فاشلة وتحطم تحالفاته التي كانت قائمة مع أوروبا، والتي انتهت باستدعاء وطرد سفراء تسع دول أوروبية وسفير الولايات المتحدة. وهو أمر لا يبشر بالخير، خاصة وأن الخلاف الأكبر هو حول موضوع ضرب الأكراد في شمال شرق سوريا، والذي ترفضه دول السفراء العشرة المطرودين مؤخراً، مما قد يزيد من عزلة التركي، خاصة وأن كلًّا من الناتو والأميركي لا يستطيعون منحه ما يريد، ليس خوفاً على الأكراد، ولكنهم بعد ما حدث في أفغانستان، يعيشون مرحلة مذلة بسبب الاتهامات الموجهة إليهم من قبل شعوبهم بخيانة حلفائهم وتركهم لمصير مجهول، وبالتالي فهم يحاولون اليوم “تدارك” الأمر مع الأكراد، أو على الأقل هذا ما يحاولون تصويره والإيحاء به.

شهد الشهران الماضيان جملة من التحولات الدولية والعربية في سوريا، منها عودة الإنتربول، ودعوة سوريا الرسمية للمشاركة في معرض دبي، وانفتاح العلاقات مع الأردن، وتبادل الزيارات بين الوزراء اللبنانيين والسوريين والأردنيين على خلفية استجرار الغاز الطبيعي من مصر إلى كل من سوريا ولبنان، واخيراً الحديث عن توجه وفود مصرية إلى سوريا. وبحسب مصدر “العهد”، فإنه يتوقع زيارة قريبة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سوريا، ولن تكون العلاقة هاتفية فقط. ونقل أخيراً موقع المراقب عن إحدى الشخصيات السعودية أن: “…الامير محمد بن سلمان أخبرنا اننا اخطأنا بحق سوريا والرئيس الاسد، وهناك تواصل سعودي سوري حاليا”. كما ترفض الجزائر اليوم استضافة القمة العربية القادمة دون تقديم دعوة رسمية للجمهورية العربية السورية.

في السابع عشر من هذا الشهر أعيد التأكيد على عودة المباحثات الدبلوماسية مع سوريا، وكان أهم حدثين هما استقبال الرئيس الأسد المبعوث الخاص للرئيس بوتين الكسندر لافرنتييف ووفد مرافق تضمن نائب وزير الخارجية الروسي. وتم التأكيد على إعادة إعمار ما خربه الإرهاب، وإعادة تأهيل البنى التحتية والاستثمار، والثاني تصريح لـ “غير بيدرسن”، بأن اللجنة الدستورية وافقت على صياغة الدستور من جديد. قد يكون الخبران مقتضبان، ولكنهما كبيران في مضمونهما خصوصاً ونحن اليوم نمر عبر مرحلة إدلب، وأننا نعلم أن الأول يؤكد ابتداء مرحلة إعادة الإعمار، والثاني، يتعلق بالسيادة السورية، اذ أصر الوفد الحكومي الرسمي على إدراج بند متعلق  برفض التعامل مع الأجنبي ووضعه في مرتبة الخيانة، مما يضع المعارضة في مقام المطلوبين بتهمة الخيانة العظمى. ويعني ذلك أحد أمرين، الأول، أن تعلن معارضة الفنادق أنها سلخت نفسها عن مشغليها وأن تعتذر للشعب السوري عما سببته من دمار، أو أنها ستبقى حيثما هي، ويبدو أن عودتها لن تمر دون محاكمة أو على الأقل دون توقيع تسويات، تماماً كما حدث مع السوريين الذين حملوا السلاح ضد الدولة. لنكن صريحين، ولنعتبر من المثل القائل: “يلي ما مات، شاف يلي ماتوا”، وهذا يعني أن سوريا لن تعيد سلسلة من “سمير جعجع” إلى أراضيها يتسللون كقنابل موقوتة إلى كيان الدولة. كما ويؤكد مصدر لـ”العهد” أن التعامل مع الخارج يعتبر “خيانة، لا تسقط بالتقادم”.

وبالعودة إلى إدلب، فقد أشار المصدر إلى تصريح أعيد نشره مؤخراً، وهو فيديو مسرب من العام 2017، بعد جلسة في باريس جمعت رياض نعسان آغا، وهو سفير سوري سابق، وجون كيري، وزير الخارجية الأميركي السابق، حضر فيها رياض حجاب رئيس الوزراء السوري الفار إلى السعودية، وجاء في تصريح نعسان آغا بعد سؤال وجهه أحد الصحفيين حول إدلب إلى أين؟ فأجاب نعسان آغا أنه في لقائه مع كيري سأله: “إدلب إلى أين؟” فجاء جواب كيري وبكل وضوح “إلى الإبادة”، وأنه: “ليس من المقبول إقامة إمارة إسلامية في المنطقة”. وتكمن أهمية ما جاء في إعادة تسريب المسرب بحسب المصدر، أنه  “يعكس أهمية توجه أمريكا في هذه المرحلة، وهو رسالة للمعارضة وخاصة في وقت إعادة إعداد الدستور، أن ارضخوا واصمتوا ولا أمل من تعنتكم! وانتهى، لا مكاسب لكم!”.

ويكمل المصدر: “بالنسبه لادلب الواضح أن هناك جديدًا والدليل موافقة الحكومه على صياغة دستور جديد مع الوسيط بيدرسن، ونحن لن نوافق على شيء دون مقابل لأننا بوضعنا منتصرون ولسنا مهزومين”. وأما عن حشد أردوغان على الحدود فهو شيء يشبه السندان والمطرقة، ويؤكد المصدر: “بالتأكيد نحن المطرقة! وحشد أردوغان هو السندان، لمنع الفصائل الإرهابية الفارة من الدخول إلى تركيا، أي أنه سيطلق النار على الهاربين”. أردوغان سيحاول ضمان أمن حدوده، والمنطقة ستذهب إلى تسوية والمحادثات ليس هناك ما يرجى منها لأردوغان وسيخرج من إدلب رغمًا عنه، وهو تأكيد سيبنى عليه ما سيأتي في المرحلة القادمة حتماً.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى