جورج حاتم (ما هايدي) الطبيب اللبناني الأممي: باني المنظومة الصحّية الصينية

وارف قميحة

“لدينا في #الصين موقف مختلف، بمعنى الشعور بأنّنا مسؤولون عن شعبنا كلّه، لا عن الفرد فقط. أحسسنا بأنّنا حين نعتني بجميع الناس فإنّنا نعتني بالفرد أيضاً، لأنّنا لا نعتقد بوجود تناقض بين حقوق الشعب وبين حقوق الفرد” (جورج حاتم).
عام 1902، هاجر نعّوم حاتم ابن بلدة حمّانا المتنيّة إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، وعَمِل في مصنع للأقمشة في منطقة لورانس في ولاية ماساتشوستس. وعام 1909 خلال زيارةٍ قام بها للبنان، تزوّج نعّوم تمام يوسف ابنة بلدة بحنّس، وعادا معاً إلى الولايات المتحدة. انتقلت العائلة إلى مدينة بوفالو بنيويورك، حيث بدأ نعّوم عملاً جديداً في مصنعٍ للحديد. وهناك، أبصر الابن البكر جورج النور في 26 أيلول عام 1910.

تابع جورج حاتم دروساً ابتدائيّةً في الطبّ في جامعة كارولينا الشماليّة، وعام 1929 التحق بالجامعة الأميركيّة في بيروت لإتمام دراسته، حيث انتقل بعدها عام 1931 للدراسة في جامعة جنيف، التي نال فيها الدكتوراه في طبّ الأمراض الجلدية والتناسلية عام 1933. خلال مكوثه في سويسرا تعرّف إلى عدد من الطلاب من شرق آسيا وأُعجب بحضارة الصين، فقرّر مع بعض زملائه الذهاب إلى شنغهاي من أجل افتتاح عيادة متخصّصة بالأمراض المنقولة جنسيّاً، ومدّ يد العون ومساعدة مَن هم بحاجة إلى خدمات صحيّة أساسيّة. وبمساعدة ماليّة من أهالي أحد الزملاء، انطلق جورج حاتم ورفيقاه لازار كاتز وربورت ليفنسون من مرفأ ترياست في إيطاليا في 3 آب عام 1933، ووصلوا إلى مرفأ شنغهاي في 5 أيلول بعد مرورهم بسنغافورة وهونغ كونغ.

افتتح حاتم عيادة في شنغهاي وعاش حياة مريحة. أثناء إقامته في المدينة، تعرف إلى الحزب الشيوعي الصيني من خلال اتصالاته مع الجالية المغتربة، بمن فيها الكاتبة الأميركية أغنيس سميدلي والكاتب النيوزيلندي لويس إيلي، الذي أصبح صديق حاتم مدى الحياة. في وقت لاحق،
اكتشف الأطبّاء الثلاثة في شنغهاي ما لم يطابق توقّعاتهم: لم تكن المشكلات الصحّية ناجمة عن الأمراض والأوبئة بقدْر ما كانت ناجمة عن ندرة الطعام والكساء، وكانت ظروف العمل تقتل الأطفال في المصانع. تحدّث حاتم عن ذكرياته المؤلمة في شنغهاي، وهو يرى أمواج اللاجئين تتدفق كالطوفان البشري. وكان يؤلمه مشهد النساء والأطفال وقد افترشوا الأرصفة من شدة الإعياء والجوع. ويقرّ بأنه اطلع للمرة الأولى على كتابات كارل ماركس. ولما انتهى من قراءة “مانيفيستو الشيوعية”، أدرك على الفور لماذا انتشرت هذه العقيدة كالنار في الهشيم. والسبب في رأيه، أنّ القادة والمواطنين كانوا يأملون الخروج من ظلام الجهل والفقر والمرض باعتناقهم الشيوعية.

تعرّف جورج حاتم إلى سونغ تشينغ لينغ، زوجة الدكتور صون يات سن رائد الثورة الديموقراطية الصينية، خلال نشاط للاحتفال بالذكرى السنوية لثورة أكتوبر السوفييتية، التي حصّلتْ دراستها في الولايات المتحدة وتفرّغت للعمل على جلب المساعدات الأجنبيّة للشعب الصينيّ، من أدويةٍ ومساعداتٍ غذائيّة.
عام 1935 قام الجيش الأحمر بقيادة ماو تسي تونغ بالمسيرة الكبرى، إذ مشى الجيش طريقاً طوله 2500 كلم للوصول إلى شمال شنشي، وتعرّض خلال المسيرة لتحديات وصعوبات كثيرة، ناهيك عن المشاكل الصحّية. ومن أجل جعل العالم يفهم حقيقة الجيش الأحمر وتغيير الوضع الطبّي المتخلّف بناءً لطلب ماو، قالت سونغ لجورج حاتم وللصحافي الأميركي إدغار سنو، إنّ بعض الناس في شنشي الصينية ثوريون وممتازون ويمكنهم تغيير الملامح الصينية في المستقبل، ويحتاجون إلى الأطبّاء وإلى إسماع صوتهم للعالم. وبعد مسيرة استمرّت ثلاثة أيام تمّ اللقاء بالزعيم ماو تسي تونغ، الذي استقبلهم وسط مغارة كبيرة اختيرت لحمايته. ولدى استماع حاتم ورفيقه سنة لشروح ماو عن تاريخ الثورة الصينية، استعدّ جورج حاتم على الفور لتقديم الرعاية الطبّية. كان ماو تسي تونغ من أوائل مرضاه. كانت هناك شائعات بأنّ ماو كان يُحتضَر، وكانت إحدى الوظائف التي أعطيت لحاتم تأكيد أو نفي الشائعات. كان ماو في صحّة جيدة، وكان هناك شعور بأنّ الرسالة يمكن تصديقها إذا جاءت من مصدر محايد، مثل طبيب غربي.
بعد زيارة المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرة الحزب الشيوعي الصيني، كتب حاتم تقريراً عن الظروف الطبّية، وقدم اقتراحات بشأن كيفية تحسين الرعاية الصحّية المحلية. وقررالبقاء في يانان، بعدما اطلع بشكل كامل على الحزب الشيوعي الصيني وسياساته. وسرعان ما أصبح عضواً في الحزب الشيوعي الصيني، وعُيّن كبير المستشارين الطبيّين للجيش الأحمر.

يقول جورج حاتم للّذين التقاهم، بأنّ اسمه الصيني اختاره له شو ان لاي. كان ذلك أثناء انضمامه إلى وفد زار المقاطعة التي تسكنها قومية هوي، أكبر أقلية من المسلمين. وقد شارك في اختيار الاسم إمام المسجد، وبات يعرف منذ حينه بـ”ما هايدي” أي الطبيب “ما”. وقد أسهم حاتم في تدعيم مهمة شو ان لاي في استمالة المسلمين إلى الثورة، وخاصّة في كتابته الشعارات المؤيدة للثورة باللغة العربية، والداعية للوحدة ونبذ الحرب الأهلية، والجزم بأنّ الجيش الأحمر غير معادٍ للمسلمين.
خلال فترة عمله طبيباً، التقى تشو صوفي، وهي امرأة صينية فرّت من شنغهاي عندما احتلت القوات اليابانية المدينة عام 1937، وسرعان ما وقعا في الحب وتزوجا عام 1940 في يانان.

بعد اندلاع الحرب، أطلقت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني إذاعات باللغة الإنكليزية، لإبلاغ العالم الفظائعَ التي ارتكبتها القوات اليابانية. كان حاتم هو الصوت الفعلي للحزب الشيوعي الصيني في الخارج، من خلال دوره كأول مستشار يتحدث الإنكليزية لوكالة أنباء شينخوا.
توجّه مباشرة إلى محطة إذاعة شينخوا، بعد قيامه بواجباته الطبّية في النهار، لبثّ الأخبار.

كما نسخ الأخبار التي نقلتها محطات البثّ الأجنبية، مثل “بي بي سي”. ثم ترجم الأخبار الإنكليزية إلى الصينية، وأرسلها إلى قادة الحزب الشيوعي الصيني كموادّ مرجعية.
بناءً على نصيحة حاتم، أُنشئت عيادة مركزية ومستشفى في يانان، ما وضع الأساس للخدمات الطبّية والصحّية العامّة في جميع مناطق قواعد المقاومة. لمعالجة نقص الأدوية، كتب حاتم رسائل إلى سونغ يحثّها على طلب المساعدة الدولية.
في نهاية عام 1937، تم تفويض حاتم بإنشاء أول مستشفى في منطقة قاعدة المقاومة، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني في شمال شنشي. لقد كان موقعاً جديداً، ولم يكن هناك سوى القليل من الإمدادات والمعدّات الطبّية المتاحة بسبب الحرب. كان في المنطقة بأكملها أقلّ من 10 أطباء مدربين جيداً.

بمساعدة سونغ ورابطة الدفاع الصينية التابعة لها، جاء عدد من الخبراء الطبّيين الدوليين إلى الصين لمساعدة الشعب خلال الحرب، بمن فيهم الجرّاحة الكندية نورمان بيثون، والجرّاح الهندي كوار كوتنيس. في مارس 1938، وصل بيثون إلى يانان عضواً في الفريق الطبّي الأميركي الكندي، وتوفي متأثراً بجراحه عام 1939.
كانت الخدمات الطبّية تتحسن كلّ عام بمساعدة العمال الصينيين والدوليين. باستخدام مستشفى بيثون الدولي للسلام نموذجاً، أنشأ الحزب الشيوعي الصيني ثمانية مستشفيات مركزية أخرى و24 فرعاً في مناطق قواعد المقاومة، التي تم تجهيزها بما مجموعه 11800 سرير وفقاً للسجلّات، وشخّص حاتم وعالج أكثر من 40 ألف مريض من عام 1944 إلى عام 1947.

كان جورج حاتم مع المستقبلين للوفد الأميركي العسكري والمدني، الذي زار يانان في يوليو/ تموز 1944. فوجئ الوفد الأميركي بارتياح عندما قابلهم، وساعد العقيد في الجيش الأميركي ميلفن كاسبيرغ، في كتابة تقريره عن الوضع الطبي في المناطق التي يسيطر عليها الشيوعيون.
عام 1949 أصبح ما هايدي مواطناً صينياً، وكان أول أجنبي يحصل على الجنسية. لقد عرف الآن أين سيكون عمل حياته في العام نفسه؛ أرسله ماو إلى يونان جنوب غربي الصين لإنشاء نظام طبّي عام لمياو، والأقليات الأخرى في المنطقة. كان ماو تسي تونغ مهتماً جداً بالأقليات في ذلك الوقت، وكان يرغب في تقديم الخدمات إلى هذا الجزء المهمل والمنسيّ منذ فترة طويلة في الصين. في ذلك الوقت، كانت السياسات تهدف إلى الحفاظ على لغة وعادات وثقافات الناس. كان هناك الكثير من العمل للقيام به. كانت بعض الأقليات في المنطقة تعيش حالة العبودية بالمعنى الحرفي للكلمة، وكان معظمهم على وشك الجوع. أنشأ ما هايدي البنية التحتية لبدء الطريق الطويل لتحديث الرعاية الصحّية وعاد إلى بكين.

كان جورج حاتم ما هايدي حتى عام 1950 نشطاً في ممارسة الطب. انتقل، بعد ذلك، إلى سلسلة من المناصب الحكومية لتنظيم تقديم الخدمات الصحّية، وإجراء أبحاث على رأس الحربة، وتحديث مهنة الطبّ الصينية. في سنوات 1950-1953 عمل مستشاراً لوزارة الصحّة التابعة للحكومة الشعبية المركزية، ثم عمل للمساعدة في تأسيس المعهد المركزي للأمراض الجلدية والتناسلية.

ومنذ عام 1953 حتى عام 1972، قضى جورج حاتم نصف وقته في العمل الميداني للقضاء على مرض الزهري والجذام، وتقاسم السرّاء والضرّاء مع المرضى؛ يأكل معهم ويمشي معهم جنبناً إلى جنب، وكان يتنقل بعربة يجرّها حمار. عاش حياة صعبة جداً، ينام عند الناس مؤقتاً ويتغطى بكسوة قماش. كان حاتم، كلّ هذه السنوات التي قضاها في الصين، منهمكاً في العمل الإنساني والبحثي، ومشاركاً نشطاً في الحراك الثوري. ومع حصوله على الجنسية الصينية وتزوّجه امرأة صينية وتقلّده وظائف ومسؤوليات حكومية، اندمج حاتم تماماً في المجتمع الصيني. في المقابل، لم ييأس أبوه الذي ظل يعيش في أميركا من العثور عليه. عام 1962 دقّ مسنّ أميركي باب السفارة الصينية في دمشق. سأله الحارس الصيني عمن يكون، فأجاب بأنه أتى من أميركا للبحث عن ابنه في الحزب الشيوعي الصيني. في حقيقة الأمر، قرأ أبو جورج في الصحيفة الإنكليزية “التايمز” خبراً يتحدث عن أنّ ابنه جورج يشغل منصباً هامّاً؛ مستشاراً عاماً لكلّ وزارات الصحّة في الصين، وأنه صديق حميم للزعيمين الصينيين ماوتسي تونغ وتشو ان لاي، فعزم أبو جورج على السفر إلى الصين، لكن العلاقات الديبلوماسية بين الصين وأميركا لم تكن قائمة آنذاك، ما جعل وزير الخارجية الصيني يرتب لجورج حاتم مقابلة مع أبيه في سوريا، التي كانت حينذاك قد أقامت العلاقات الديبلوماسية مع الصين، ونظراً لأن سوريا البلد الأقرب إلى لبنان. سافر جورج حاتم مع زوجته وابنه من بكين إلى دمشق عن طريق موسكو، وبتدبير من السفارة الصينية لدى سوريا تمّ لقاء جورج حاتم وأبيه بحرارة مؤثرة جداً بعد افتراق دام 29 عاماً. سأله أبوه في الخفاء: “سمعت بأنك صديق وفيّ للقيادة العليا الصينية، كم من الممتلكات لديك الآن؟”، فأجابه بصوت عالٍ: “لديّ بقعة من الأرض تبلغ مساحتها 9 ملايين وستمئة ألف كلم مربع، وبيوت الصين كلها لي”.
عام 1977، انتقل إلى مستشفى كلية يونيون الطبّية للأمراض الجلدية، وعُيّن مستشاراً في وزارة الصحة بجمهورية الصين الشعبية. كان ناشطاً في السياسة، لدفع قضية البحث الطبّي وتوسعة الرعاية الطبّية إلى المناطق النائية خلال الفترة الباقية من حياته.
لم يساعد حاتم في تأسيس المعهد المركزي للأمراض الجلدية والتناسلية في بكين فحسب، بل بحث أيضاً في أسباب الجذام وكيفية الوقاية من المرض. وعمل بنحو خاصّ على تعزيز سبب البحث الطبي وتقديم الرعاية الطبّية للمناطق النائية.
لقد خاض معركة طويلة ضد التهاب البنكرياس، ثم استسلم للسرطان ومرض السكري عندما دهمه السرطان. وأدرك أنّ الوقت لم يعد يسمح له باستئناف نشاطه الطبّي كالمعتاد. أعلن تأسيس جمعية لمكافحة وباء البرص، وباشر في تمويلها بدفعة أولى قيمتها 30 ألف دولار، هي حصيلة الجوائز المالية التي نالها. وبعدما رسم هيكلية الجمعية، واختار لإدارتها أكثر الشخصيات الصينية كفاءة، عيّن زوجته تشو صوفي رئيسة لمجلس الأمناء لأنها شاركت معه في قطع مسيرة الألف ميل.
توفي حاتم في بكين في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1988 عن عمر ناهز 78 عاماً. كشفت كلماته الأخيرة عن إحساس بالسلام: “ليس لديّ ما يؤسفني. لقد بذلت قصارى جهدي لخدمة الناس في حياتي”.

توفي الدكتور جورج حاتم، الذي أصبح باسم ما هايدي شخصية أسطورية تقريباً في الصين لجهوده في مجال الصحّة العامة. بعد وفاته قالت زوجته إنّه، بناءً على وصية شفوية، طلب الدكتور حاتم إحراق جثّته ودفن رمادها في ثلاثة مواقع محببة لديه: ثلث الرماد يدفن في مقبرة شهداء الثورة في بكين، وثلث يدفن في مقبرة عائلته في مدينة بافالو الأميركية. والثلث الأخير يُنثر فوق نهر “يان” الذي يخترق مدينة يانان، القاعدة الأولى لانطلاقة الثورة، حيث باشر الدكتور جورج حاتم الالتحاق بركب ماو تسي تونغ وشو ان لاي.

إضافة إلى عضوية المؤتمر الاستشاري السياسي الخامس للشعب الصيني، وعضوية اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي السادس والسابع للشعب الصيني، نال جورج حاتم جائزة جمعية داميان دايتون لأمراض البرص، وشهادة الإنجازات في الصحّة العامّة الدولية والوقاية من أمراض البرص وعلاجها، التي وزّعتها مدينة كاليفورنيا الأميركية، ووسام الوطني اللبناني، وجائزة ألبرت لاسكر الأميركية للأبحاث الطبّية، وجائزة غاندي الهندية الدولية لأمراض البرص وغيرها من الجوائز الأخرى.
النهار

Exit mobile version