توأم الجهاد والانتصارات والشّهادة

شوقي عواضة | كاتب واعلامي لبناني

من النادر جدّاً أن تلتقي بالشّهيد القائد الحاج قاسم سليماني دون الحاج أبي مهدي المهندس، والعكس كذلك، لا سيّما أنّهما كانا شريكينِ في الانتصارات والشّهادة لا بل كانا كالتوأم. فمع بداية عمليّة تحرير الموصل التقيت في بلدة القيارة مع الشّهيد القائد أبي مهدي المهندس وحيداً دون الحاج قاسم الذي كان منشغلاً في إدارة معارك تحرير حلب في سورية، لم يتميّز الحاج أبو مهدي عن أيّ مجاهدٍ بلباسه العسكريّ ولا بمأكله أو مشربه بل كان كرفيق دربه أكثر الناس تواضعاً ورحمةً وإنسانيّةً فكانا بمثابة الآباء للمجاهدين والمقاومين الشّرفاء.

ما رأيته من الشّهيد الحاج أبي مهدي المهندس يدلّ على سمو وعظمة هؤلاء الشّهداء ودماثة أخلاقهم، فعندما تشاهد القائد يتقدّم في الميدان لا بدّ أن تدرك أنّك منتصر حتماً، وعندما تراه يجالس رفاق الميدان على التراب ويقاسمهم لقمة العيش وشربة الماء، أو عندما تراه في ذروة المعركة يتابع أمور النازحين والمدنيين ويشدّد على مساعدتهم تدرك بأنّ الشهادة شرف لا يناله إلّا العظماء، هكذا كان الحاج أبو مهدي المهندس الذي لم تكن معرفته بالجنرال قاسم سليماني حديثة العهد بل تعود الى عقود من الزمن جمعتهما تلك العلاقة منذ الحرب العدوانيّة المفروضة على الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة من قبل نظام صدام حسين حيث أسّس الجنرال سليماني اللواء 41 ثار الله عام 1980 منذ ذلك الزّمن أصبح الجنرال سليماني والمهندس رفاق خندق واحد شكّل منطلقاً لتلك العلاقة الرّوحيّة والفكريّة والميدانيّة بين القائدين.

فالجنرال سليماني الذي دأب على العمل العسكري والجهاد الميداني وهو في العشرين من عمره حفلت حياته بالجولات الميدانيّة على مدى أربعين عاماً من الجهاد. فبعد تعيينه قائداً للحرس الثوري الإيراني في محافظة كرمان الحدودية أظهر عطاءً كبيراً في مجالات التّطوير الاستراتيجي والعسكري فعيّن قائداً لفيلق القدس عام 1998. وشكّل تعيين سليماني قائداً لفيلق القدس منطلقاً لمواجهة الجبروت الأميركي في المنطقة وركناً صلباً لتطوير المواجهة مع الكيان الصهيوني وفي هذا المجال حقّق العديد من الانجازات لا سيّما على مستوى تطوير المنظومة الصاروخيّة لمحور المقاومة بأكمله من لبنان الى فلسطين والعراق واليمن، حيث عمل الجنرال قاسم سليماني على إعطاء كل الدّعم والأولويّة لتطوير المواجهة مع العدو الصّهيوني وإيجاد قواعد اشتباكٍ جديدةٍ أدّت إلى تهشيم صورة الجيش الذي قيل بأنّه لا يُقهر.

استراتيجيّات وتكتيكات تجلّت على أيدي رجال الله في فلسطين في معركة سيف القدس حيث ألحقوا بالعدو هزيمة نكراء. إضافة إلى ذلك فقد كان للحاج قاسم سليماني دورٌ في حرب تموز 2006 العدوانية على لبنان، فالجنرال العسكري لم يعتد أن يرفّه نفسه بالجلوس في المكاتب وإعطاء التعليمات أو إصدار الأوامر، بل كان يسعى دائماً لأن يكون جنديّاً في الصّفوف الأولى للمواجهة. حتّى طيلة سنوات المواجهة مع الاحتلال «الإسرائيلي» في لبنان كانت هناك علاقةٌ متينةٌ تربطه بالشهيد القائد الحاج عماد مغنية والشهيد السّيد مصطفى بدر الدين حتى عند اندلاع حرب تموز لم يكن سليماني في لبنان فاتصل بالأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله واضعاً نفسه بتصرّفه ليجيبه السيد بأنّ الشباب (قايمين بالواجب) لكن الشّهيد سليماني أصرّ وأبلغ القادة في المقاومة بانّه حضر إلى سورية للمتابعة ولكنّه غير راض عن متابعته من دمشق بل يجب أن يكون في ميدان المواجهة. رفض سماحة السّيد حسن نصر الله تعريض سليماني للخطر في ظلّ استهداف الضاحية، خوف السيد عليه لم يثنه عن الحضور فأبلغه بأنه إذا لم يقم الشباب بنقله إلى بيروت سيحضر بتاكسي فكان له ما أراد وحضر إلى بيروت وكان شريكاً في المواجهة والانتصار ملازماً لسيد المقاومة والشّهدين القائدين عماد مغنية ومصطفى بدر الدين إلى أن تمّ إعلان الانتصار.

أمّا على مستوى مواجهة مشروع داعش وإلحاق الهزيمة به فقد كان للشّهيد سليماني دورٌ رئيسيٌّ في سورية والعراق حيث تمّ إحباط وتدمير مشاريع أميركا الإرهابيّة من خلال المواجهات التي أدّت إلى إلحاق الهزائم بأميركا وأدواتها.

فقد قاد مع الحاج أبي مهدي المهندس معارك شرسة أدّت إلى اندحار قوى الإرهاب وانتصار الحشد انتصاراً حوّله إلى قوّة أساسيّةٍ ورئيسيةٍ في محور المقاومة كما في اليمن. تنامي قوة أدّى الى ارتفاع نسبة الرّعب الأميركيّ «الإسرائيليّ» السّعودي من تنامي تلك القوّة التي تحولت إلى قوّةٍ غيّرت المعادلات في لبنان وفلسطين وسورية والعراق واليمن لذا كان لا بدّ من استهداف الشهيدين القائدين اللذين كانا جنوداً في معركة فلسطين. حينها واعَدتهم ميادين الجهاد وزغردت الأرض إيذاناً لعرس الشهادة يمّموا وجوهم نحو السّماء وارتقوا شهداء منهم من قضى ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا…

Exit mobile version