بومبيو يختم «الضغوط القصوى»: فَلْنُقيّد خَلَفنا

لن يكون كنس قذارة الإدارة الأميركية، التي دخل فرعها التنفيذي مرحلة القيادة الذاتية، مهمّة سهلة. منفرداً، وبسلطاتٍ شبه مطلَقة، يقود وزير الخارجية، مايك بومبيو، قاطرة إدارته إلى محطّتها الأخيرة. أمثاله، مِن الذين كانوا يتحلّقون حول ترامب لتنفيذ سياساته، باتوا قلّة بعد موقعة الـ»كابيتول» التي قلبت موازين الولاءات في الأيام الأخيرة من عمر هذه الإدارة. وهي أيّام ملأى بالقرارات الـ(لا)عبثيّة في السياسة الخارجية، والهادفة إلى وضع الكثير من العراقيل في طريق الرئيس المنتخَب، جو بايدن، لتقييد حركته، وتكريس السياسة القائمة راهناً لأطول وقتٍ ممكن، فضلاً عن تقديم بومبيو نفسه وريثاً سياسياً أوّل لترامب. هذه العوامل وغيرها شكَّلت أساساً لعدائية لم تفتأ تحاكي سلوك البيت الأبيض. عدائيةٌ ظهّرتها الأيام الفائتة بصورة فاقعة، بعدما انهالت قرارات اللحظة الأخيرة في أكثر من اتّجاه، وإن كان أغلبها خُصِّص لاستهداف إيران في ضوء تصعيد الولايات المتحدة المتواصل. آخر تلك الخطوات ما كشفه مصدر استخباري أميركي لوكالة «أسوشيتد برس» عن أن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت شرق سوريا (دير الزور والبوكمال) نُفّذت بناءً على معلومات قدّمتها واشنطن. ولم تكن مفاجِئةً إشارة المصدر إلى أن وزير الخارجية الأميركي هو الذي ناقشها مع رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، يوسي كوهين، في لقاءٍ جمعهما في مطعم في واشنطن. وأوضح هذا المسؤول الرفيع المستوى، على حدّ توصيف الوكالة، أن الضربات استهدفت، فجر يوم أمس، سلسلة من المستودعات في محافظة دير الزور، كانت تُستخدم لتخزين الأسلحة الإيرانية وتجهيزها.
في مناسبات عدّة، خلال الأسابيع الأخيرة، بيّن بومبيو أن سياسة «الضغوط القصوى» التي تتبعها إدارته تجاه طهران، إنما تهدف إلى عرقلة تطبيع علاقات الأخيرة مع واشنطن، في حال قرّرت الإدارة المقبلة الانخراط مجدّداً في المسار الدبلوماسي. «التحوّلات المفاجئة في سياسة إدارة ترامب الخارجية» باتت تثير مخاوف الحزبَين في الكونغرس، بحسب موقع «أكسيوس» الإخباري الذي يشير، نقلاً عن مسؤول في فريق بايدن، إلى أن هذا الأخير سيراجع كلّ سياسة تبنّتها الإدارة المنصرفة في الآونة الأخيرة، وسيتّخذ في شأنها القرار، وفقاً للمصلحة الوطنية. لكن السياسة الأميركية المتبعة في سوريا على عبثيّتها، إلى جانب الضربة العسكرية الإسرائيلية ــــ الأميركية التي لا تخرج عن سياقها، لا تبدو مرشّحة للتغيير في عهد الرئيس المقبل. فالضربات الصاروخية التي تجيزها واشنطن «أبطأت وتيرة ترسيخ الوجود الإيراني في سوريا»، على حدّ ما زعم رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي، الشهر الماضي، فيما توعّد الناطق باسم جيش العدوّ، أفيخاي أدرعي، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، غَداة إعلان إسرائيل قصفها «أهدافاً عسكرية لقوّة القدس والجيش السوري» في جنوب سوريا، بأن الكيان العبري «سيواصل التحرّك وفق الحاجة لضرب التموضع الإيراني في سوريا الذي يُشكّل خطراً على الاستقرار الإقليمي».

على مدى سنوات طويلة، اعتادت إسرائيل أن تضرب دوريّاً ما تقول إنها مواقع إيرانية في سوريا. وفي الأشهر الأخيرة السابقة، استهدف العدوّ مواقع إيرانية حسّاسة بضربات رفعت من حِدَّة التوتر بين طهران وواشنطن، قبل أن يُقدِم على اغتيال العالم الإيراني، محسن فخري زادة. وتفيد مصادر إخبارية أميركية بأن ترامب منح وزير خارجيته الضوء الأخضر لمعاقبة إيران، ما دامت الهجمات «لن تشعل حرباً عالمية ثالثة». وعلى رغم أن البيت الأبيض لم ينف أو يؤكّد صحّة هذه الأخبار، لكن حراك بومبيو الأخير، والضربة الإسرائيلية التي جاءت بإيعازٍ من الولايات المتحدة، لا تدع مجالاً للشكّ. تقول إليزابيث دينت، وأريان طباطبائي، في مقالة لهما نشرت أخيراً على موقع مجلة «فورين أفيرز»، إن «توسّع النفوذ الإيراني في سوريا تَفوّق على جميع الأطراف الأجنبية التي تدخّلت في هذا النزاع، بما فيها الولايات المتحدة، وهو ما لم تلتفت إليه إدارة ترامب، على رغم كلّ الخطابات الشديدة اللهجة التي كان يُلقيها الأخير متوعّداً إيران ووجودها ونفوذها في سوريا». بالنسبة إلى بايدن، تشكّل مواجهة هذا النفوذ، في موازاة الدبلوماسية، أولويّة. «شخّصت إدارة ترامب المشكلة بطريقة صحيحة، لكنها اتّبعت سياسة كلّ شيء أو لا شيء على الإطلاق»، في حين أن «السياسة الأميركية الحالية الهادفة إلى معالجة الدور الإيراني في سوريا تُغالي في تقدير النفوذ الولايات المتحدة وقدرتها على التفوُّق على النفوذ الإيراني»، كما تلفت الكاتبتان. وتريان أن الإدارة المنصرفة اتّبعت، على مدى السنوات الأربع الماضية، سياسة «مُهلهلة» في سوريا «دمّرت صدقية الولايات المتحدة وعملت لمصلحة إيران، ولا سيما أن واشنطن أعلنت مراراً الانسحاب والخفض التدريجي لقواتها، كما استخفت بالتزاماتها تجاه قوات سوريا الديموقراطية (قسد). هذه القرارات وغيرها كذّبت خطابات ترامب الشديدة اللهجة، ما يُرجّح أن محاربة إيران لم تكن فعلاً أولوية لدى الرئيس». وتنصحان الإدارة المقبلة بالعمل «بصورة وثيقة مع إسرائيل لضمان أمرَين: حرية هذه الأخيرة لدحر التهديدات بالقرب من حدودها مع سوريا، وأن يكون لها دور في أيّ مفاوضات في شأن إيران وأذرعها. قد تكون الولايات المتحدة قادرة على استخدام محادثات تُجريها مع إسرائيل وروسيا كلّ على حِدَة بوصفها نقطة انطلاق لمفاوضات ثلاثية، تستطيع فيها واشنطن وتل أبيب تحميل موسكو مسؤولية أيّ وعود تُطلقها. كما أن المفاوضات الثلاثية قد تُبرهن على أنها مفيدة في تقاسم الجهود الاستخبارية في شأن الأسلحة الإيرانية، وتحرّكات إيران وتهديداتها لإسرائيل»، مع الأخذ في الحسبان أن «إيران لن تغادر سوريا كليّاً، ولن تفقد نفوذها هناك بالكامل».
الاخبار

Exit mobile version