بايدن يتوجه شرقاً والمنطقة العربية ON HOLD ( في الإنتظار )

العميد الركن الياس فرحات | باحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية .

أحيا الرئيس الأميركي جو بايدن مجموعة “كواد” التي تضم الولايات المتحدة والهند واستراليا واليابان، في أول قمة دولية “إفتراضية” يدشنها بعد وصوله إلى البيت الأبيض تضمن جدول أعمالها قضية التغيير المناخي ومكافحة جائحة كوفيد ـ ١٩.

هذه القمة كان مهّد لها إجتماع على مستوى وزراء خارجية الدول الأربع، الشهر الماضي، في سياق إعادة تجديد إلتزام “التحالف الرباعي” الإستراتيجي الذي كان قد إنطلق في العام 2007، في منطقة اسيا الباسيفيك في مواجهة الصين بالدرجة الأولى. لماذا تتحالف كلٌ من اليابان واستراليا والهند مع الولايات المتحدة في إطار “كواد”؟ أولاً، استراليا دولة في المحيط الهادىء. هي الجزء الأكبر من قارة أوقيانيا التي إكتشفت في أواخر القرن التاسع عشر. إستوطن البريطانيون الانغلوساكسون فيها وشكّلوا دولتين هما استراليا ونيوزيلاندا. تتشارك استراليا مع الولايات المتحدة العرق واللغة والثقافة والدين والنظام الإقتصادي والدين ما يجعلها “حليفاً طبيعياً” للولايات المتحدة في مواجهة سكان المنطقة الأصليين من العرق الاصفر ولا سيما الصين. استراليا التي شاركت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، تبدو كأنها عضو في حلف شمال الاطلسي (الناتو) تسليحاً وعقيدةً ودوراً، برغم بعدها عن الأطلسي. ثانياً، الهند ثاني دولة من حيث عدد السكان في العالم بعد الصين وتشكل منافساً حقيقياً لها في قارة آسيا. العملاقان الأسيويان تحكم علاقتهما حقبات من المد والجزر، من دون أن تكون هذه العلاقات لا ممتازة ولا متدهورة في أي يوم من الأيام. بالنسبة للهند، تعتبر باكستان منافستها في شبه القارة الهندية، وعلاقتهما تشهد توتراً دائماً وهناك ربط نزاع دائم لا يمنع تجدد إشتباكهما في كشمير، كما حصل السنة الماضية، ويعود “الفضل” في ذلك إلى بريطانيا بتركها ورائها بعد إنسحابها من الهند بؤرة توتر ونزاع ديني بين باكستان الإسلامية وبين الهند ذات الغالبية الهندوسية والأقلية الاسلامية. بدورها، بادرت الصين المنافسة للهند إلى توثيق علاقتها بباكستان في زمن كانت فيه الهند حليفة الإتحاد السوفياتي القديم وباكستان حليفة الولايات المتحدة، وفي الزمن نفسه الذي كانت فيه الصين في حالة نزاع مع الاتحاد السوفياتي السابق. ومنذ زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التاريخية إلى دلهي في العام ٢٠١٥، بدأت مرحلة جديدة من العلاقات الهندية الأميركية يدرك أبعادها جو بايدن الذي كان نائباً للرئيس أوباما في أثناء تلك الزيارة. راجع على موقع 180 الأسد: نعم التقينا بالأتراك.. وترامب شفاف ولكن ثالثاً، اليابان خسرت الحرب العالمية الثانية في نزال عنيف ومدمر مع الولايات المتحدة، إستوجب إستخدام الأخيرة السلاح النووي وتدمير مدينتي هيروشيما وناكازاكي، ما أرغم طوكيو على الاستسلام، لكن لليابان تاريخ من الحروب مع جيرانها. قبل الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان تحتل الصين وتفرض عليها شروطاً صعبة. أدت خسارة اليابان للحرب العالمية الثانية إلى تخلص الصين (التي لم تشارك في تلك الحرب) من عدو قريب هو اليابان. ولليابان أيضاً تاريخ من الحروب مع روسيا لا سيما منها الحرب الروسية اليابانية (١٩٠٤- ١٩٠٥) التي أدت ألى هزيمة روسيا وتدهور سلطة القياصرة وتهيئة الأجواء للثورة البلشفية. الآن، وجدت اليابان نفسها في صف الولايات المتحدة والهند واستراليا ضد الصين وروسيا. ما تزال اليابان تحت مفعول صك الإستسلام الذي يقيّد قدرتها العسكرية وعديد وتجهيز قواتها المسلحة، كما يسمح بإقامة قواعد عسكرية أميركية على أراضيها. صَعدَت اليابان، كما ألمانيا، إقتصادياً وبسرعة مذهلة وباتت من “مجموعة الدول السبع” في العالم.

ليس بعيداً عن هذا “التحالف الرباعي”، ما أُعلن عن مباحثات أميركية يابانية لنشر صواريخ أميركية متوسطة المدى في جزر اليابان، وهذا ما يشكل تهديداً واضحاً لروسيا والصين. هكذا يعيد بايدن توجيه السياسة الخارجية الأميركية باتجاه آسيا والباسيفيك حيث تعتبر الدولة العميقة أن هذه المنطقة حيوية للمصالح الاميركية لا سيما في ضوء تصاعد نفوذ العملاق الأسيوي المنافس، أي الصين. لذلك تسعى الولايات المتحدة إلى الإمساك بضفتي المحيط الباسيفيكي.

لا يمنع ذلك وجود ثغرات سياسية ـ جغرافية ضمن هذا التحالف، أبرزها عدم ضم كوريا الجنوبية، لكن في المقابل، أية محاولة لإدخال شبه الجزيرة الكورية إلى هذا التحالف قد يشعل شرارة مواجهة غير مطلوبة مع كوريا الشمالية فتكون النتيجة تعقد مهمة “التحالف الرباعي” الموعود والمُوجّه أساساً ضد الصين. هناك أيضاً ثغرة الفيليبين التي يصعب عليها الإنحياز إلى أي من المتنافسين الصيني والاميركي في ظل حكم الرئيس رودريغو دوتيرتي. ثمة خلافات تتصل بنوايا هذه الدول. فالهند لها حسابات قديمة مع باكستان بسبب دعمها للإسلاميين في الهند ومطالبتها بإقليم كشمير، كما أن نزاعها مع الصين إتخذ شكلاً عنيفاً في الإشتباكات الأخيرة على الحدود الصينية الهندية، وهي تريد فرض حالة ردع مع الصين تمنع حصول مثل تلك الإشتباكات.. وقد يكون تحالف “كواد” أساساً لبناء مثل هذا الردع. أما اليابان، فإذا كانت لها حسابات قديمة مع الصين وروسيا، فإن إستعمال الولايات المتحدة القنابل النووية لتدمير مدينتين فيها وكسر إرادتها وفرض إستسلامها هو حدث لا يغادر عقل أي ياباني. بالنسبة لاستراليا، تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الغرب الأنغلوسكسوني (بريطانيا والولايات المتحدة وكندا) الذي خسر روديسيا (حالياً زيمبابوي) وجنوب افريقيا. تكمن مفأجاة هذه القمة في سرعة تحرك بايدن نحو الشرق الأقصى بعد قليل من تسلمه الرئاسة، ما يعني أن الأولوية هي لمواجهة التحدي الصيني. هذا الإلتفات الأميركي إلى المحيطين الهندي والهادىء، لا يمنع من طرح السؤال حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع أزمات منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً النزاع العربي ـ الإسرائيلي وأزمات لبنان وسوريا والعراق واليمن؟ إذا ترقبنا مسار تعامل إدارة بايدن مع الملف النووي وتحركات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الخليج والبيانات الروسية الخليجية التي صدرت حول عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية وبيان وزارة الخارجية الروسية الذي أعقب لقاء لافروف بالرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري حول ضرورة الإسراع بتشكيل حكومة في لبنان وإطلاق ما سمي بـ”آليات التشاور حول سوريا”، يمكننا القول إن الولايات المتحدة وضعت المنطقة on hold مع ترك هامش حركة لروسيا لمعالجة الأزمات، وفقاً لمقاربة لا تمس بالمصالح الأميركية بحيث تعود وتتدخل على الفور في حال كان أمن إسرائيل ومصالحها مهددين بالخطر.

180Post

Exit mobile version