كتاب الموقع

المشهد الجيو سياسي للمنطقة: تسويات على الخطوط الراهنة

نبيهة ابراهيم | كاتبة وباحثة سورية

بعد فشل الغزو الأمريكي للعراق بدأت أمريكا تدريجياً ولو ببطء نسبي بالانتقال من نموذج الهيمنة المطلقة إلى نموذج دوائر النفوذ، وبات لزاماً عليها الاعتراف بنفوذ قوى دولية مثل روسيا والصين وإيران، الظهير والداعم الأساسي لمحور المقاومة في المنطقة.
ونموذج دوائر النفوذ في العلاقات الدولية يقتضي أن كل طرف من القوى الإقليمية أو الدولية له دائرة نفوذ قد يتم الاعتراف بها وقوننتها، وقد لا يتم، ضمن اتفاق سياسي معلن، أو غير معلن، وتصبح حقيقة من حقائق السياسة الدولية، وعلى الرغم من الإنكار الأمريكي العلني للتراجع عن الهيمنة المطلقة على العالم والإصرار على عدم الاعتراف بمناطق نفوذ لأية قوة أخرى ( جاء على شكل تصريحات لوزراء خارجية أمريكا المتعاقبين: كوندوليزا رايس ٢٠٠٨ وكلينتون ٢٠١٠ وجون كيري ٢٠١٣ اللذين أكدوا على عدم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بدوائر النفوذ) فقد برزت العديد من القرائن الدولية تدلل على هذا التراجع الأمريكي مثل:
١- أمريكا الجنوبية بمعظمها ) فنزويلا – الأرجنتين – بوليفيا … ( ، خرجت من دائرة النفوذ الأمريكي نتيجة التورط والفشل الاستراتيجي في العراق .
٢- روسيا مستقوية بانحدار القوة الأمريكية، استرجعت مناطق من جورجيا واسترجعت شبه جزيرة القرم، ودخلت سورية لتقف إلى جانب الجيش العربي السوري في مواجهة الحرب الاستعمارية على الدولة السورية .

أمريكا التي اعتقدت أن هروبها إلى الأمام وركوبها موجة ” الربيع العربي ” ، ستعوض خسارتها في العراق – والتي تسببت بأزمة للاقتصاد الرأسمالي _ اصطدمت بصمود سوريا مستقوية بدعم حلفائها في روسيا والصين وإيران ما أجهض أهداف الحرب الأمريكية على بلدنا وزاد تكلفتها وعمق الأزمة الاقتصادية العالمية، ووضع صناع السياسة الأمريكية أمام خيارين إما الاستمرار بالحروب وبالتالي استمرار التراجع والانتكاسة بالاقتصاد الأمريكي وبالتالي العالمي، وإما الاعتراف بمناطق نفوذ روسيا والصين وايران والبدء بتسوية على الخطوط الراهنة.

حقيقة التراجع المستمر لحصة أمريكا من الاقتصاد العالمي ( ممثلة بنسبة دخلها القومي إلى الدخل العالمي) تسبب كابوساً لصناع السياسة الأمريكان، ما يعني تراجع هيمنتها على العالم، فالاقتصاد هو المحرك الأهم لصانعي السياسات الأمريكية ، اللذين اعتمدوا على دورة العشر سنوات حرب- تسوية، لقطف ثمار اقتصادية للنفوذ السياسي الذي يكسبونه في الحرب كأسلوب لبسط الهيمنة الأمريكية على دول العالم. ففي الخمسينات من القرن الماضي تدخلت أمريكا في كوريا وقسمتها، وفي الستينات احتلت فيتنام وفي السبعينات أشعلت الحرب الأهلية في لبنان وفي الثمانينات الحرب العراقية الإيرانية والغزو الصهيوني للبنان والتسعينات حرب الخليج الأولى ثم الحرب على العراق وأفغانستان عام ٢٠٠١و صولاً للحرب على سوريا ٢٠١١. والحقيقة أن أمريكا استطاعت -باستثناءات قليلة- عن طريق إعادة الإعمار بعد الحروب أن تمد نفوذها إلى تلك المناطق، مثال مشروع ” مارشال ” وإعادة إعمار الكويت ، وهذا يفسر الضغوط الهائلة والحصار الاقتصادي وتجويع شعوب منطقتنا من أجل القبول بشروط إعادة الإعمار المجحفة ، والضغوط مستمرة ، مرحلة عض الأصابع للقبول بشروط أمريكا للتسوية ولإعادة الإعمار ( تجويع – مشاريع تقسيم سورية و التهديد الدائم من الكيان الصهيونى ) ، وزيادة بالضغط نقلوا ثلاث قواعد عسكريّة من مِنطقة السيلية القطريّة إلى الأردن وأُوكل للملك عبد الله الثاني الدور الذي يقوم به حول ما سمي بمشروع ” الشام الجديد ” و مؤتمر ” قمة دول الجوار الاقليمي ” الذي سيقام في العراق نهاية الشهر الجاري .

سياسة أمريكا تاريخياً الرؤوساء الجمهوريون يشنون الحروب والديمقراطيون يحسنون الاقتصاد بتسوية ما بعد الحرب ، لكن هذه القاعدة كسرت في عهد بوش الابن نتيجة فشل الحرب على العراق ، وعندما جاء أوباما لم يستطع أن يفعل شيئا بسبب عدم استتباب الأمر لهم في السيطرة على العراق، وحتى لا يعترف بالفشل في العراق، أشعل الحرب في المنطقة فحد قليلاَ من خسارة أمريكا ، وبمجيء ترامب أمريكا اشترت وقتاً ، وكانت السنوات الأربع لوجوده في البيت الأبيض عنوانها حرب اقتصادية على العالم ( الصين – أوروبا – روسيا – كندا – بريطانيا.. ) لتحسين الشروط الاقتصادية لأمريكا في عالم ما بعد الحرب الكبرى .

بوصول بايدن إلى البيت الأبيض برزت مؤشرات على البدء بتسوية في المنطقة ، مع التأكيد على أن التسويات الكبرى يرافقها ضغوط كبرى ( عسكرية – اقتصادية- سياسية ) . من هذه المؤشرات :
— التحسن الكبير الذي حصل باعتراف الجانبين بمفاوضات فيينا لإعادة العمل بالاتفاق النووي الإيراني ، والحقيقة أن الإيرانيين هم من أجلوا التفاوض بسبب الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة الجديدة ، حتى أمريكا طالبتهم بسرعة العودة للمفاوضات ، وقد صرح الرئيس الإيراني إبراهيم ر ئيسي: نحن مع كل الإجراءات التي تساهم في إلغاء الحظر الاقتصادي على بلادنا. وقد نقلت وسائل الإعلام أن البواخر الإيرانية تعبأت بالنفط منتظرة بالمرافئ رفع العقوبات واسئناف التصدير النفطي للخارج .
— الانسحاب الأمريكي من افغانستان
— الطروحات الأردنية وحديث الملك عبد الله خلال زيارته الأخيرة لواشنطن حول ضرورة فك الحصار عن سورية ، أيضاّ ما رشح عن اجتماع بوتين وبايدن ” اتفاق تاريخي حول سورية “.
— إسرائيل حاولت علناً وجهراً أن تعرقل الملف النووي الإيراني مرة بإرسال وفد لأمريكا لاقناع الساسة الأمريكان بعدم دعم الاتفاق النووي الإيراني ، رجعوا باعترافهم على وسائل الإعلام بفشل مساعيهم هذه ( محاولة عرقلة سياسياً ) ، وبعد فترة وجيزة اعتدوا على حي الشيخ جراح بمحاولة لتهويده والنتيجة كانت عزل نتياهو وانتصار أبناء الشعب العربي الفلسطيني. والمرة الثانية عندما شنت غارات جوية إسرائيلية على أراضٍ مفتوحة في منطقتي الجرمق والشواكير في لبنان ليلة الخميس الماضي، وردت المقاومة اللبنانية بقصف أراضٍ مفتوحة في محيط مواقع الاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا بعشرات الصواريخ مثبتة بذلك قواعد الاشتباك المعمول بها بعد محاولة اسرائيل خرقها، منذ بضعة أيام صرح وزير خارجية العدو الإسرائيلي بأنه لا يؤيد الاتفاق النووي مع إيران لكنه لا يرى بديلاً عنه، ومدير المخابرات المركزية الأمريكية صرح وبنفس الفترة: لن نشن حرباً على إيران.

العالم يشهد في القادم من الأيام انتصاراً لقيم الشرق الإنسانية والذي قاوم المشاريع الاستعمارية الساعية للنيل من سيادة أراضينا ونهب ثرواتنا الوطنية، ومصادرة عيشنا بحرية وكرامة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى