القرار وبناء الدولة

الدكتورة نازك بدير | كاتبة واكاديمية لبنانية

ماذا عن أنصاف الحلول وأنصاف المواقف، هل تصنع وطنًا؟ هل هي قادرة فعلًا على إخراج بلد من أتون محرقته؟ إلى متى يتأرجح أصحاب القرار بين أنصاف الطّرق ولا يتّخذون خطوة أساسيّة ثابتة جريئة واضحة تضع العباد على جادّة الصّواب؟ إلى متى يظلّ أهل السّلطة يسقطون البلد من أعلى الجرف نتيجة قرارات غير مدروسة، ويبقى المواطن ضحيّة صخب رؤوس متآكلة في سبيل مصالح ضيّقة؟
    لعلّ مراجعة تجارب الأمم على مرّ التاريخ تبيّن أنّ العقول المستنيرة والمدبّرة، والسّلوك المترفّع عن المحاصصة والمناكفة، والتّعاون في سبيل الصالح العام، هي أعمدة أساسيّة لبناء الأوطان، في حين أنّ النّزوع إلى الشّهوات، والانجراف وراء الأطماع، والتّحكّم بمفاصل الدّولة، تؤدي إلى خلخلة بنيتها العميقة، ما ينعكس سلبًا، مع مرور الوقت، على المشهد الحياتي الفردي والجماعي على حدّ
سواء.
ولعلّ ما سرّع تهاوي العديد من الممالك وانكسار عروشٍ على الرّغم من جبروتها، كما هو جَليّ، تماديها في الظّلم بحقّ الشّعب، وكأنّ جذور الشّرّ تلك المتأصّلة في الحاكم هي نفسها لا تفتأ تلتفّ عليه، فيصنع لعنته
بيديه.
لكنّها لا تكون لعنة محصورة به وحده، إنّما لها ارتدادات تتّسع لتغطّي مختلف الدّوائر، مهما بلغ حجمها أو بعدها من نقطة الارتكاز .لكن ثمّة تجارب تشذّ عن القاعدة؛ إذ ليس الخاسر الأكبر في هذه الأنظمة هو الحاكم، كونه والفساد صنوان، بل المستنزَفون الفعليّون هم الفقراء، وأبناء الطبقة المتوسّطة التي كادت أن تختفي، وكلّ من يكافح ليبقى على قيد الحياة.
وعلى صعيد البيت الدّاخلي، السّياسي والحزبي والتّنظيمي، وكذلك في داخل الجمعيّات التي تدّعي العمل من أجل حقوق اللاجئين وغيرهم، في هذه المنظومات تسيطر النفعيّة والهيمنة ومحاولة بسْط السُّلطة، بعيدًا من المصلحة العامّة.
والقول، إنّ موقع الحكم يتطلّب القدرة على اتّخاذ القرار، لا يعني أن تكون القرارات جانحة باتّجاه التفرّد، والميل إلى التّسلّط، وفرْض الأحكام بالقوّة، ولا أن تكون زئبقيّة تضع البلاد في مهب الرّيح.
فالدّيكتاتوريّة لا تصنع مجتمعًا متقدّمًا، وللأسف، يبدو حتّى اليوم من الصّعب الحديث عن تجربة ديمقراطيّة في مجتمعات عربيّة لا تزال تحبو {ولمّا يصل} القرار بالنّهوض!.
Exit mobile version