تقارير

الـ NGOs: جمعيات بقناع إنساني أم جيش من العملاء؟

ثلاثة خطابات للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في شهر آب توج فيها حلقة الكشف عن “أثرياء لبنان الجدد” ومسلسل إخضاع الوطن لوصاية عملاء يتقنون فنون التقنع الإنساني: المجتمع المدني – فرع لبنان.

يعرّف دومينيك كولا Dominique COLAS المجتمع المدني بأنه “بطاقة تعريف لجميع أنماط الجمعيات”، في وقت يصف فيه غوتييه بيرت Gautier Pirotte هذا المفهوم “الدائم التكوين” بأنه “ظرف فارغ يُملأ بمعانٍ معينة تبعاً للجهات التي تستخدمه وسياقات استخدامه الاجتماعية والثقافية”.

من جهتها، اختارت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) تعريف المجتمع المدني بأنه منظمات غير حكومية يمكنها (أو لديها القدرة على) الدفاع عن الإصلاحات الديمقراطية، كما أن هذه الوكالة وضعت عام 1991 قائمة بما يمكن إدراجه تحت مفهوم المجتمع المدني من الأحزاب السياسية من المنظمات المهنية الوطنية إلى معاهد البحوث مرورًا بالروابط والتجمعات.

أما البنك الدولي فتبنّى من جهته تعريفًا للمجتمع المدني أعدّه عدد من المراكز البحثية الرائدة: “يشير مصطلح المجتمع المدني إلى مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استنادًا إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية”.

وخلص البنك الدولي الى أن مصطلح منظمات المجتمع المدني يشمل مجموعة عريضة من المنظمات، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري.

وبالعودة إلى لبنان، فإن “ظرف بيرت” الفارغ، ملأته جماعات تكاثرت وانتشرت تبعًا لأوامر مموليها حتى باتت تتغلغل في مختلف جوانب المشهد السياسي اللبناني طارحة نفسها كبديل عن النظام اللبناني المفلس سياسيًا فضلاً عن إفلاسه الاقتصادي.

ولإلقاء الضوء على الفرع اللبناني لهذه المنظمات، نعود إلى 26 شباط من هذا العام حينما احتفلت سفيرة بلاد العم سام دوروثي شيا ممثلة حكومة بلادها من خلال الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وبالشراكة مع برنامج بناء التحالفات للتقدم والتنمية والاستثمار المحلي – بناء القدرات (BALADI CAP)، باختتام 8 سنوات من تعزيز المجتمع المدني والبلديات لـ “تلبية احتياجات الشعب اللبناني”.

تفاخرت شيا بـ”منجزات” عوكر، فتحدثت عن سعي عمره عقود لبناء قدرات المجتمع المدني في لبنان بحيث يكون “أفضل تجهيزًا ليقدم مساهمة فعالة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبنان”.

وبحسب الستار الخارجي الذي قدمته المندوبة السامية في بلدنا لعمل تلك المنظمات، فإن حكومتها عززت من خلال مشروع “BALADI CAP” الذي تبلغ قيمته 18,1 مليون دولار قدرات 52 منظمة من المجتمع المدني و11 منظمة ذات طابع ديني و121 من البلديات واتحادات البلديات.

كما أنشأ “BALADI CAP” ثلاث شبكات من منظمات المجتمع المدني للمناصرة والدعوة لمعالجة القضايا المتعلقة بالبيئة، وحقوق الإنسان، والمساءلة والحكم الرشيد.

أخطبوط “BALADI CAP” كما غيره من الجمعيات تمدد، فهو بحسب شيا نجح في إيصال توصيات ومشاريع منظمات المجتمع المدني إلى اللجان البرلمانية وصناع السياسات والقرارات، فضلاً عن تعزيز العلاقات التعاونية مع الوزارات الحكومية الرئيسية.

لكن هل ينتهي الأمر هنا؟ بالطبع لا. وللبحث خارج “الستار الأميركي” لتلك المنظمات وأداورها، لا بد من الرجوع الى آلان وينستين، مؤسس الصندوق الوطني للديموقراطية، NED، الذي يدعم الحركات الثورية الديموقراطية حول العالم والذي يكشف أنه أوكلت إلى جمعيات المجتمع المدني مهام كانت تقوم بها وكالة المخابرات المركزية (سي آي أيه) منذ عام 1966. أي أن التدخل الأمريكي في لبنان عبر المجتمع المدني ومنظماته بمجموعاته وأنواعه المختلفة كان منذ 55 عامًا ولا زال حتى اليوم.

ولعل ما يؤكد هذه المقولة هو ما كشفه مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى وسلف شيا في لبنان جيفري فيلتمان في شهادته أمام وزارة الخارجية في حزيران من العام 2010 حين أماط اللثام عن أكثر من 500 مليون دولار أنفقتها حكومة بلاده في لبنان منذ عام 2006 لإيجاد بدائل للتطرف، وتقليل جاذبية حزب الله لشباب لبنان، وتمكين الناس من خلال “احترام أكبر لحقوقهم وزيادة القدرة على الوصول إلى الفرص” من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومبادرة الشراكة الشرق أوسطية (ميبي).

“إذا خذلنا ملايين اللبنانيين الذين يتوقون إلى دولة تمثل تطلعات جميع اللبنانيين، فإننا سنخلق الظروف التي يمكن لحزب الله من خلالها، ملء الفراغ، أن يزداد قوة…” قالها فيلتمان بوقاحة. فهل من يقرأ؟

هذا غيض من فيض. لكن ما يزيد الأمر سوءا هو عدم خضوع هذه الجمعيات لأي من أشكال الرقابة.

فلو أخذنا أنموذج المؤسسات الدولية العابرة للحدود كأوكسفام وأطباء بلا حدود والصليب الأحمر والخط الأخضر التي تضم مئات آلاف الموظفين الدائمين، عدا المتعاقدين (في فرنسا وحدها حوالي 71 ألف موظف ومتعاقد)، لوجدنا أنها تخضع لفحص شفافية البرامج وعقود العمل فضلا عن رقابة الميزانيات والضريبة المالية على مداخيل الموظفين والمتعاقدين.

أما في لبنان فلا تخضع جمعيات المجتمع المدني إلى الرقابة المالية ولا إلى شفافية الميزانية والبرامج والضرائب والمداخيل. وهي بذلك جزء لا يتجزأ من فساد الطبقة السياسية التي تخفي وظيفتها ومداخيلها في الخلط المشبوه بين العمل الخاص والعمل العام، فضلاً عن الترويج لنفسها بأنها “جمعيات مدنية” تطوّعية. فهل يكون مقابل هذه “الخدمات المجانية” التي يدعون تقديمها نظام سياسي من جيش العملاء التابع للوكر القابع في عوكر؟

“العهد”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى