مقالات مختارة

الباحث في الشؤون التركية د. محمد نور الدين: “تحسين العلاقات بين تركيا والكيان المؤقت سيكون على حساب فلسطين وسوريا”

زينب فرحات ـ مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير

اتّسمت العلاقات بين تركيا والكيان المؤقّت بالتقارب حيناً والتباعد حيناً آخر. والتقارب التركي الأخير حيال الكيان المؤقت ليس مستجدًّا، إنما هو امتداد لسياق تاريخي طويل من العلاقات بين الطرفين. خطورة التقارب الحالي تكمن في كونه لا يعني تركيا وحدها بل أيضاً فلسطين، ودول أخرى لتركيا نفوذ فيها كسوريا، فتركيا اليوم ليست كما كانت في خمسينيّات القرن الماضي مثلاً. وعلى قاعدة دخول قلب الولايات المتّحدة من باب الصداقة مع الكيان المؤقت، تمضي أنقرة بحماس هذه المرة لتعزيز العلاقات مع الاحتلال، لعلها تكسب رضا واشنطن فتمنحها الأخيرة مكافأة خفض العقوبات الأمريكيّة المفروضة. في آخر المستجدّات، جرى تحديد موعد زيارة رئيس الكيان المؤقّت إلى تركيا وسط تساؤلات عن أهداف هذه الخطوة وتداعياتها. وللإجابة عن هذه التساؤلات حاور مركز الإتحاد د. محمد نور الدين، الباحث المتخصّص في الشأن التركي وأستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية.

سياسة تصفير المشكلات

خلافاً لما يبدو بشأن زيارة رئيس الكيان المؤقّت اسحق هرتزوغ إلى تركيا المرتقبة في 9 آذار/ مارس 2022، يوضح نور الدين أن المبادرة جاءت أساساً من تركيا، إذ لوحظ أن الأخيرة منذ قرابة العام بدأت حركة دبلوماسيّة متعدّدة الاتّجاهات في التواصل مع مصر ثم مع الإمارات، وبمستوى أقل مع الكيان المؤقّت. هذا التغيير في السياسة الخارجيّة التركيّة كانت تهدف إلى أمرين أساسيين: الأول هو محاولة خروج تركيا من العزلة التي تقع فيها، والثاني محاولة التخفيف من وقع الأزمة الاقتصاديّة الداخليّة التي تأزّمت مع انهيار سعر صرف الليرة. وبحسب نور الدين، لن يتم ذلك إلا من خلال إعادة تفعيل سياسة “صفر مشكلات”. هذه السياسة، يتابع الباحث، قد تؤتي ثمارها بعد فترة خصوصاً مع استعداد الإمارات لفتح استثمارات بما لا يقلّ عن 10 مليارات دولار. كذلك الأمر بالنسبة للكيان المؤقّت، إذ إن تعزيز العلاقات بين أنقرة وتل أبيب قد يساهم أيضاً في دفع الرئيس الأميركي جو بايدن نحو تخفيف ضغوطه الاقتصاديّة على تركيا.

 

المكتسبات التركيّة بعد الزيارة

ينتقل الباحث السياسي للحديث عن الدوافع الاقتصاديّة لتركيا في تقرّبها من الكيان المؤقّت. وبرأيه، تتطلّع أنقرة إلى أن يكون تطبيع العلاقات مع الكيان المؤقّت باباً لتعزيز الروابط الاقتصاديّة معه، وتحديداً في مجال النفط والغاز الطبيعي. ربما بدأت بوادر هذا الهدف من خلال تخلّي الولايات المتّحدة عن دعمها لبناء خط أنابيب يمتد من شرق المتوسّط إلى قبرص فاليونان ثم إيطاليا ومنها إلى أوروبا بكلفة لا تقل عن 8 مليارات دولار. تأسيساً على ذلك، يجد نور الدين أن تخلّي الولايات المتحدة عن دعم مثل هذا الخط يعني سقوط هذا الخيار نهائيّاً والعودة من جديد إلى الخيار التركي لنقل وتوزيع الغاز في شرق المتوسط، سواء غاز ونفط الكيان المؤقت أو مصر، حتى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن أن أهم بنود المباحثات مع رئيس الكيان المؤقّت اسحاق هرتزوغ عندما يصل إلى أنقرة هو تصدير الغاز والنفط الاسرائيلي والمصري عبر تركيا ومنها إلى أوروبا. بطبيعة الحال، هذا الأمر يفيد الكيان المؤقت من جهة، ومن جهة أخرى يفيد تركيا كونها تستوفي رسوم تصدير الغاز عبر أراضيها.

ثمّة غاية أخرى يذكرها الباحث هنا، هي أن تركيا دائماً تنظر إلى العلاقات مع الكيان المؤقّت على أنها باب لتحسين العلاقات مع واشنطن، في حال كان ثمّة توتر في العلاقات بين واشنطن وأنقرة. ورغم أن الرئيس الأميركي جو بايدن لم يتراجع عن تهديداته بالعمل على إسقاط أردوغان في الانتخابات المقبلة، لكن مع ذلك، لا تزال تركيا تراهن على أن تحسين العلاقات مع الكيان المؤقّت يمكن أن يؤدي إلى تغيير مواقف الرئيس الأميركي تجاه تركيا، وبالتالي تخفيف الضغوط عنها. وبالنظر إلى أن أردوغان يربط كل شيء تقريباً بالانتخابات الرئاسيّة التركيّة التي ستجري مطلع صيف عام 2023 المقبل، يرى نور الدين أنه كلما تحسّن الوضع الاقتصادي كلما تم تعويم شعبية أردوغان وحزب العدالة والتنمية التي تراجعت بسبب الأزمة الاقتصاديّة وبسبب العديد من السياسات التي تستجلب خصوماً أكثر مما تستجلب أصدقاء. هذا ما يدفع الرئيس التركي لتحسين العلاقات مع الكيان المؤقت والولايات المتّحدة لتخفيف الضغوط الاقتصاديّة وتحسين الاقتصاد الذي كان سبب وصول أردوغان للسلطة، في المقابل، تردّي الاقتصاد سيكون أحد أهم الأسباب التي قد تؤدي إلى سقوط الرئيس التركي في الانتخابات المقبلة.

أما عن الدوافع السياسيّة للتغيير في الموقف السياسي التركي، فيستشرف نور الدين مخاوف متعدّدة من تحسين العلاقات بين أنقرة والكيان المؤقّت، يستدعي ذلك أن العلاقات الدوليّة تقوم على أساس ثابت وهو المصالح المتبادلة. وباعتبار أن تركيا تحتل أجزاءً كبيرةً من سوريا وتطمح إلى بسط هيمنة ما في شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، يُخشى أن ينعكس التقارب التركي الاسرائيلي على سياسة البلدين، وبالتالي توجيه سياسات الكيان المؤقت وتركيا ضد سوريا بالتحديد.

ذلك أنه هناك شراكة كاملة بين الولايات المتحدة وتركيا والكيان المؤقت في تدمير سوريا، تدمير المجتمع، تدمير الأرض، تسليح الإرهابيين وما إلى ذلك. فضلاً عن ذلك، لتركيا اطماع في سوريا لا تقتصر فقط على المساومة على الأراضي التي تحتلها لأهداف معينة إنما تسعى شمال سوريا منقطة نفوذ لها، ففي أيلول/ مايو 2016 تحدث أردوغان عن معاهدة لوزان وقال إن: “حدود تركيا الحقيقية هي حدود الميثاق الملّلي 1920 والتي كانت تتضمّن شمال سوريا بما فيها حلب وشمال العراق.

 

تداعيات الزيارة المرتقبة

علاوةً على ذلك، هناك مخاوف أخرى تكمن في أن تركيا كما هو معروف لديها علاقات جيّدة مع حركة حماس، كون الطرفان ينتميان إلى تيار واحد وهو “تنظيم الإخوان المسلمين”. وبناءً على ذلك، يُخشى أن يكون تحسّن العلاقات بين تركيا والكيان المؤقت على حساب القضيّة الفلسطينيّة وعلى حساب التضييق على حركة حماس في تركيا وحيث يمكن أن يكون لتركيا نفوذ. نور الدين أشار في هذا السياق إلى انعكاسات التقارب التركي ـ الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني قائلاً: “أعتقد أن ذلك يمكن أن يمنح الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربيّة مكاسب لتحسين وضعهم وتخفيف الحصار عنهم نتيجةً للتقارب التركي الاسرائيلي، ولكن هذا الأمر مشكوك به حتى الآن، ذلك أن تحسين العلاقات مع الكيان المؤقّت عادةً ما يكون على حساب القضيّة الفلسطينيّة”.

 

الأزمة الأوكرانية ستغيب عن جدول أعمال اللقاء

أما بالنسبة إلى ما إذا كانت العمليّة العسكريّة الروسية في أوكرانيا ستحضر على جدول أعمال زيارة رئيس الكيان المؤقت المرتقبة، فقال الباحث السياسي: “سيفرض الوضع في أوكرانيا نفسه كبند على جدول أعمال معظم لقاءات المسؤولين في مختلف دول العالم كونه الأكثر التهاباً اليوم على الساحة العالمية”. وفي حين رجّح الباحث حضور العملية العسكرية الروسية خلال لقاء رئيس الكيان المرتقب مع نظيره التركي، أكّد أنها ستمر بشكل عرضي. وعلّل ذلك بأن زيارة هرتزوغ تقع في سياق تأسيسي لإعادة تحسين العلاقات بين تركيا والاحتلال، لذا سيتم التركيز على كيفية استعادة العلاقات الثنائية بشكل شبه كامل، وربما تبادل السفراء، ولن تكون المشكلة الأوكرانية حاضرة إلا بشكل عرضي إلى حد ما، علماً أن مواقف كلا الطرفين ليست بعيدة عن الجانب الأوكراني، وإن كانت تركيا تمسك العصا من وسطها كي تكون على مسافة واحدة بين أوكرانيا وروسيا.

 

الدعم التركي للكيان المؤقت مزمن

لا شكّ في أن تركيا، هي أول دولة مسلمة اعترفت بالكيان المؤقت في آذار/ مارس 1949، وكان لها علاقات مستمرّة معه حتى الآن، يقول نور الدين أنه رغم تعاقب الحكومات التي تعددت ميولها السياسية، من حكومات عسكريّة إلى أخرى علمانيّة صرف أو حكومات ذات طابع إسلامي مثل حكومة عدنان مندريس في الخمسينيّات، وتوركوت أوزال في الثمانينيّات، أو حكومات إسلاميّة مثل حكومة حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002 حتى اليوم، في جميع الحكومات التركيّة حتى الآن، كانت هناك علاقات جيّدة مع الكيان المؤقّت، حتى في ظل التوتّر الذي حصل بعد واقعة دافوس) مثل مشادّة حادة بين أردوغان ورئيس الكيان المؤقّت آنذاك شمعون بيريز على خلفيّة أحداث غزّة عام 2009(لم تتراجع العلاقات الاقتصاديّة، فحتى اليوم يبلغ حجم التجارة بين البلدين قرابة 7 مليارات دولار سنوياً). ينسحب ذلك أيضاً على التعاون الأمني الضمني فهو الآخر أيضاً لم يتوقّف. ربما تكون المسألة الوحيدة غير الموجودة حتى الآن هي عدم وجود علاقات دبلوماسيّة على مستوى سفراء، رغم أن الطرفين سبق وقرّرا تعيين سفراء بينهما، وفق نور الدين.

الباحث المتخصّص في الشأن التركي، يتوقّع الإعلان عن سفير لتركيا في الكيان المؤقّت وسفير للأخير في تركيا بعد زيارة رئيس الكيان المؤقت لأنقرة. وتأسيساً على أنه في كل المراحل السابقة كانت الحكومات التركية تقيم علاقات جيّدة مع الكيان المؤقت، كانت في نفس الوقت تحظى بثقة الشّعب التركي. ويقول الباحث: “طبعاً لا أقول إن الشعب التركي يؤيد الكيان المؤقت، لأن الوجدان الشعبي التركي هو مؤيد بالكامل للقضيّة الفلسطينيّة. لكن هذا شيء والسياسات الرسميّة للأحزاب التي تمثّل الشّعب التركي شيء آخر”. يؤكد نور الدين في موازاة ذلك أن سياسات الحكومات التركيّة لم تقف بشكل جدّي إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأكثر من ذلك، كانت تركيا جزءً لا يتجزّأ من مخطط الكيان المؤقّت في اعتداءاته المتكررّة على الدول العربيّة.

 

توظيف القضية الفلسطينية في الخطاب التركي

وعن ازدواجيّة الخطاب التركي لناحية دعم فلسطين من جهة وإقامة علاقات جيّدة مع الكيان المؤقّت من جهة أخرى، ينفي نور الدين أن يكون هناك ازدواجيّة ولو بدا ذلك. في الحقيقة إن الخطاب التركي في عهد حزب العدالة والتنمية المؤيّد للقضيّة الفلسطينيّة كان مجرّد أداة لكسب المزيد من أصوات المحافظين والمتدينين في الداخل التركي. ويستدلّ الباحث على ذلك بأن الخطاب المؤيّد للقضيّة الفلسطينية كان يفترض ألا ينعكس استقبالاً لرئيس الكيان المؤقت شمعون بيريز عام 2007 ليلقي خطاب في البرلمان التركي، وهذا يعد سابقة في العلاقات بين الكيان المؤقّت وإحدى الدول المسلمة، فهي كانت المرة الأولى التي يخطب فيها مسؤول صهيوني في دولة مسلمة وفي عهد حزب العدالة والتنمية.

دليل آخر مهم يورده الباحث وهو إبرام اتفاقيّة بين تركيا والكيان المؤقت) اتفاقيّة تطبيع بعد 6 سنوات من جفاء دبلوماسي (في حزيران/ يونيو عام 2016. حينها لم يتم إدراج أي بند من قبل تركيا بشأن فك الحصار عن غزة في الاتفاقيّة. لذا نجد أن مثل هذه السياسات هي انتهازيّة، لا ترى في القضيّة الفلسطينيّة سوى وسيلة استغلال في المحافل الإقليميّة والدوليّة. وبطبيعة الحال الولايات المتحدة راضية عن كل هذه الأمور وإن كانت تريد من تركيا أن تكون غربيّة وصهيونيّة أكثر مما هي الآن.

مثل آخر يورده الباحث في حديثه عن تطابق خطابات رؤساء الإخوان المسلمين مع سياسات الكيان المؤقّت، ويذكر أن الرئيس المصري السابق محمد مرسي وجّه أكثر من مرّة خطابات تشيد بالكيان المؤقّت وبما سمّاه “شعبه العظيم”، وفي موضع آخر يصف شمعون بيريز بـ “صديق مصر”. في موازاة ذلك، نجد أيضاً وفق الباحث أنه تم في عهد حزب العدالة والتنمية في المغرب برئاسة سعد الدين العثماني تطبيع العلاقات مع الكيان المؤقّت، ورئيس الحزب الذي كان أيضاً رئيس الحكومة وقّع بيده على ورقة التطبيع.

يصل د. محمد نور الدين إلى استنتاج مفاده أن نماذج الإخوان المسلمين في الدول الثلاث) تركيا، مصر والمغرب (لم تكن معادية للكيان المؤقت، وهذا الأمر غريب ويتناقض مع كون الإخوان المسلمين هم حركة إسلاميّة.

وبالتالي، قد يبدو في الخطاب التركي ازدواجيّة في الظاهر لناحية دعم القضيّة الفلسطينيّة والتنديد بسياسات الصهاينة، وفي نفس الوقت إقامة علاقات جيّدة مع الكيان المؤقّت. والواضح أن القضيّة الفلسطينيّة لم تكن سوى أداة ابتزاز واستغلال من أجل تعزيز شعبيّة حزب العدالة والتنمية في تركيا بوجه خصوم الرئيس التركي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى