الاحتلال الأميركي للاقتصاد اللبناني

زياد ناصر الدين | خبير اقتصادي

تُصدر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه)، كلَّ أربع سنوات، استراتيجيات مدمجة لكل البلدان، سياسياً كان أو اقتصادياً. والملاحَظ في الموضوع أنّها تولي، في هذه الإصدارات، اهتماماً استثنائياً بلبنان في منطقة الشرق الأوسط وسواحل شرقيّ المتوسط. تُضاف إلى هذه الاستراتيجيات أيضاً تقاريرُ اقتصادية تصدر بصورة مباشِرة عنها.
وخلال فترة ولاية الرئيس الأميركي السابق، قام دونالد ترامب بتنفيذ توصيات لمجلس الشيوخ (الكونغرس) حيال لبنان، أدّى اللوبي الصهيوني ولوبي لبناني دوراً كبيراً في إقرارها وتنفيذها عمليّاً، من عقوبات وعرقلة وحصار وفرض شروط، كالتالي:
1-  منع لبنان من استخراج غازه، وتأخيره لمصلحة العدو الإسرائيلي.
2-  عزل لبنان نقديّاً واقتصاديّاً.
3- منع أيّ اتفاقيات دولية أو اقليمية خارج النفوذ الأميركي.
4-قَطع الطريق على خيار التوجُّه نحو الشرق، وخصوصاً الصين وإيران.
في عام 2021، صدرت توصيات جديدة عُرفت باستراتيجية بايدن تجاه لبنان، وهي قائمة على متغيِّرات مهمة في الساحة اللبنانيّة، سياسياً واقتصادياً. وتُعتَبر أزمة الحكم التي نتج منها الفراغ الحكومي المقصود، مترافقاً مع انهيار سريع للعملة، وتدهور اقتصادي لم يشهده تاريخ البلاد، أهمَّ هذه المتغيِّرات، بالإضافة إلى انهيار دور المصارف، وحجز أموال المودِعين.‏

أما ثاني هذه المتغيِّرات، فهو المماطلة في عمليّة استكشاف الغاز واستخراجه، وأخذه رهينةً في أيدي الغربيِّين بصورة عامة، والفرنسيِّين بصفة خاصة، بسبب ما يشكّل ذلك من خسارة لبنان ورقةً اقتصادية بالغة الأهميّة. وأخيراً، ازدياد نفوذ السِّفارات، وتحكُّم سفيرتي الولايات المتحدة وفرنسا في المفاصل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

بناءً عليه، ولتأكيد استمرار سيطرة الولايات المتحدة، كان لبايدن توصيات أساسية، أهمُّها:
1-  حماية المصالح الإسرائيلية في سواحل شرقي المتوسط، والتي تشكّل المقاومة تهديداً حقيقيّاً لها.
2- تعزيز النفوذ الأميركي، نظراً إلى أهميّة موقع لبنان الاستراتيجي.
3-  بذل جميع الجهود الممكنة في مواجهة المقاومة وفكرها.
4-تفعيل دور السفارة الأميركيّة، التي تُعتبر مركزاً استراتيجيّاً بالنسبة إليه.
5-إلزام لبنان بالدخول في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي.
6-   تعزيز التوجّه الغربي للبنان، وترسيخ واشنطن شريكاً مفضَّلاً بين المنافِسين الإقليميِّين والقوى العظمى، بالإضافة إلى خلق بيئة معادية للتوجُّه شرقاً.
7-تأكيد استمرار شركة “توتال” في المماطلة في ملف الغاز حتى نهاية عهد رئيس الجمهوريّة ميشال عون.

ما يساعد الولايات المتحدة على تنفيذ استراتيجيتها الشيطانيّة، وإحكام قبضتها، وحصارِ لبنان اجتماعيّاً ومعيشيّاً، وإخضاعه سياسيّاً واقتصاديّاً، هو تغلغلُها في الدولة العميقة، التي تمتلك مؤسسات ‏وامتدادات وأدوات، من السياسة النقدية المتمثِّلة بالمصرف المركزي والمصارف وسياسة الدولرة، ‏إلى الأمن والقضاء والطائفية والاحتكارات والمنهج العلمي للتعليم العالي والإعلام.
لذا، من أجل الفوز في هذه الحرب الشعواء، أصبح من اللازم علينا مواجهة الأدوات الأميركية في هذه الدولة العميقة وكسرها. وبات واجباً علينا بالتالي تصحيح هذا الخلل في النظامين السياسي والاقتصادي، وسائر مؤسسات الدولة. أمّا الطريق إلى تحقيق ذلك فيمرّ في عدة محطّات:
أولاً، تنويع الخيارات الاقتصادية، على نحو يساعد لبنان على إنقاذه مما وصل إليه من انهيار بسبب المنهج المتَّبَع من أدوات الدولة العميقة، اقتصادياً ومالياً ونقدياً واجتماعياً.
ثانياً، وضع رؤية اقتصادية حقيقية، مغايرة لنظام عام 1992، لا تقف عند موانع الدولة العميقة ومصالحها، بل يكون أساسها مصلحة الناس والمجتمع السليم.
ثالثاً، تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان ونواب له لا يكون ولاؤهم لواشنطن، بل للوطن والناس.
رابعاً، إقرار قانون استقلالية القضاء وتحديث القوانين، على نحو يحمي السيادة، اقتصادياً ومالياً وسياسياً.
خامساً، إخراج الأجهزة العسكريّة والأمنية من تَبَعِية المساعدات الأميركية.
سادساً، كسر احتكار استيراد النفط والدواء والغذاء وغيرها.
سابعاً، الاستعانة بأصدقاء لبنان في الشرق لحل أزمة الكهرباء، التي تُثقل كاهل الخزينة بالديون.

لقد حان الوقت للاعتراف بأنّ للولايات المتحدة باعاً طويلاً في الإشراف على عملية الفساد الداخلي في لبنان، وبطرائق ذكيّة، انطلاقًا من سياسة الفوائد، مروراً بدولرة الاقتصاد والعقوبات، بالإضافة إلى الاحتكارات ومنع الاستثمارات، وصولاً إلى وضع يدها على ملفَّي النفط والغاز.
أمام هذه الهيمنة، لا بد لنا من مواجهة أميركا والدولة العميقة ومصالحها، لنصل إلى السيادة، اقتصادياً ووطنياً. وعليه، حان وقت التصدي لهذا العدوان والاحتلال الاقتصاديَّين، عبر اتخاذ قرارات ملائمة، تبدأ بقلب الطاولة على الاستراتيجيات الأميركيّة، وإلزام “توتال” باستئناف الحفر والتنقيب عن الغاز فوراً، وتأسيس دولة زراعية وصناعيّة جديدة، وتفعيل دور المرافئ ومصافي النفط، وكسر الاحتكار في الاستيراد، والإسراع في التوجّه شرقاً.
ختاماً، إذا كانت أميركا قادرةً، إلاّ أنّها بالتأكيد ليست قَدَراً. ولبنان ليس الولاية الـ53 من “بلاد العم سام”، وخيارات مواجهة هذا الاحتلال الحديث كثيرة إذا توافرت النيّة والإرادة الوطنيّتان.

الميادين
Exit mobile version