اشتدي أزمة تنفرجي .. انتصار استراتيجيا الصبر والبصيرة .

عمر معربوني | رئيس تحرير موقع المراقب

عندما يدخل الناس في الهلع الشديد الناتج عن صدمة انتجتها كارثة او مجموعة من الكوارث  يُصبح سهلاً التحكم بهم ودفعهم بالإتجاه الذي تريده القوّة التي انتجت الكارثة .

هذا ما تريده أميركا من لبنان مستعينة بطبقة سياسية هي نفسها طبقة كبار التجار ( الكارتيلات ) والحائزين بقوة القانون على وكالات حصرية تتحكم بحاجات اللبنانيين الإستراتيجية تبدأ بطحين الرغيف وكل مستلزماته وتمر بالمحروقات وكل مشتقاتها وصولاً الى الدواء والغذاء .

في البداية اعلم علم اليقين ان اللبنانين سئموا من توصيف الكارثة وتشريح أسبابها والمسببين لها ويريدون حلولاً لا كلاماً ولا مقاربات ولا حتى مجرد الحديث عن الموضوع .

ومع ذلك لا بد من توصيف الأزمة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظرية الصدمة التي أسس لها ميلتون فريدمان ” المرشد الأعظم ” لحركة الرأسمالية المتوحشة السائبة، وهو صهيوني اشتهر كأستاذ للعلوم الاقتصادية بجامعة شيكاغو، وأحد أبرز منظري الإقتصاد خلال القرن العشرين، نال جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1976، وأسس لما بات يُعرف لاحقا ب”صبيان شيكاغو، أو عصابة شيكاغو، أو مدرسة شيكاغو”، وهم التلاميذ الذي تأثروا بفكر فريدمان في التوجه الاقتصادي، ومنهم المحافظون الجدد: “كيسنجر، رامسفيلد، بريمر، جورج بوش الابن، جورج شولتز، ديك تشيني، ولفوويتز، بول بريمر وغيرهم “.

وفكرة فريدمان تتلخص في إبعاد الدولة كليّة عن الإقتصاد، وفتح السوق على مصراعيه أمام الشركات ورجال الأعمال، والدوس على أفكار المدرسة الكينزية، التي ظهرت عقب الأزمة الاقتصادية سنة 1929، ودعت لتدخّل الدولة للجم الاحتكار ومواجهة تغوُّل الرأسمالية.

واذا ما قاربنا الواقع اللبناني وما تريده أميركا من لبنان لوجدنا ما يحصل منطقياً بالنظر الى امتلاكها لأدوات التحكم بالسياسة والسوق ، خصوصاً ان خصخصة القطاع العام ( أملاك واصول الدولة ) هي احد مطالب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المُدرجة ضمن بند الإصلاحات إضافة طبعاً الى المطلب الأهم والأبرز وهو عزل حزب الله عن عموم الشعب وخصوصاً بيئته المباشرة .

انطلاقاً ممّا تريده أميركا لا يجب ان ننسى ان كل المسؤولين فيها يعلنون ليلاً ونهارأ التزامهم بأمن الكيان الصهيوني وهو الأمر الذي تدفع فيه أميركا بكل قوتها سواء ما قامت به على المستوى السياسي او على المسار العسكري الذي فشل بعد عقود طويلة من إخضاع حركات المقاومة .

الأكيد ان لأميركا في لبنان شبكة كبيرة من ” الأصدقاء ” يشاطرونها العداء للمقاومة كلٌّ من منطلقاته واسبابه وهو ما يمنحها موطيء قدم هام في البعدين السياسي والإقتصادي كون الطبقة السياسية هي نفسها طبقة كبار التجار .

اذن هناك شراكة وثيقة في الأهداف بين أميركا واتباعها في الأهداف والسلوك والمسارات وهو ما يحتِّم علينا عدم الفصل في المسؤولية عما وصلت اليه الأوضاع انطلاقاً من هذه الشراكة بفارق ان أميركا تخطط وتُدير واتباعها ينفذون ما تريده منصاعين وخاضعين وخائفين على مكتسباتهم وعروشهم .

في الحالات العادية التي يسود فيها الاستقرار الإقتصادي حتى لو كان وهمياً كما حالة لبنان تبقى الناس أكثر تمسكاً بمكتسباتها بما يرتبط بأصول واملاك الدولة ، لكن في حالة الوصول الى مجموعة من الكوارث وليس كارثة واحدة يصبح أمر التمسك بالحقوق العامة ومنها حق الدفاع عن الدولة والأرض مجرد ترَف خصوصاً عندما تُصبح لقمة العيش حالة ضاغطة ويصبح الحصول على الدواء والمحروقات مستحيلاً .

في هذه الحالة تبقى الفئة المؤمنة بمقاومة أميركا و ” إسرائيل ” اكثر صلابة من الفئة التي لم تسلك طريق المقاومة بكل أثمانه وتضحياته رغم ان السواد الأعظم منها يعتبر ” إسرائيل ” في الحد الأدنى عدواً محيداً اميركا مجتنباً تحميلها المسؤولية ليلقيها على ” أحصنة ” الطبقة السياسية التي يعمل الأميركي ايضاً على التخلص منها واستبدالها ب ” أحصنة ” جديدة واقصد هنا جماعات ال  NGOs وان كنت أميل اكثر الى استخدام مصطلح ” حمير العرس ” بدلاً عن مصطلح الأحصنة .

وبالنظر الى طبيعة المسارات الحالية بات مؤكداً دخول لبنان في أوضاع اكثر صعوبة تتجه بسرعة الى الإرتطام الذي سيُحدث الفوضى المأمولة التي تديرها غرفة عمليات السفارة في عوكر .

عند وصولنا الى هذا الحد ستعلو الكثير من الأصوات تحت ضغط نتائج الكارثة مطالبة بأي حل وسيتخلى الشعب تحت طائل التمسك بالحياة عن أي مطالب زائدة، سينسحب من الحياة السياسية، ولن يحتج على أي عملية خصخصة أو تنازل عن أملاك البلاد لشركات ورأسماليين من الداخل أو الخارج، سيرفض أن يعترض على أي زيادة في الأسعار، أو إلغاء للبرامج الاجتماعية التي تستهدف محدودي الدخل والفقراء.( برامج الدعم الاجتماعي ) وهي في الحقيقة برامج منظمة للتسول .

ستمحو الفوضى والرعب والترويع أي أفكار من رؤوس الأكثرية، وستجعلهم يترحمون على أيام المشي تحت الحائط، وتمني حلول السلام والعافية فقط، وستتحول المجتمعات لحالة أولية ولصفحات بيضاء يسهل الكتابة عليها.

في هذه المرحلة ستصبح مقولة البارون روتشيلد حاضرة بقوة وهو القائل ان ”  أفضل ” الأوقات لشراء العقارات حين تسيل الدماء في الشوارع ”

هذا ما تخطط له أميركا وتنفذه بالتكافل والتضامن مع وكلائها واتباعها المحليين بالنقطة والفاصلة فهل ستتمكن من الوصول بمخططها الى النهاية المرسومة ؟

ان ما تفعله أميركا في لبنان هو اجترار لما فعلته في تشيلي ودول أوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي وغيرها معتمدة سيناريوهات شبيهة اسقطت الدول وهو ما سيحصل في لبنان في النتيجة حيث باتت الدولة متهالكة وآيلة للسقوط مقابل بقاء المقاومة وبيئتها الحاضنة المباشرة متماسكة .

حتى اللحظة يبدو تقدير الموقف الذي اعدّه كبار خبراء الحرب الأميركيين بما يرتبط بلبنان غير موفق في النتائج رغم تسارع المسارات الذي ادّى الى انهيار كبير في القطاع المالي بمختلف مراكزه والقى بثقله على كل اللبنانيين المؤيدين للمقاومة والمعارضين لها وسيؤدي في قادم الأيام الى تعاظم دور المقاومة في الأبعاد السياسية والإقتصادية حيث تعمل المقاومة عبر فريق كبير من المتخصصين في اعداد بدائل ستخفف في المنظور القريب من حدّة الكارثة وستسلك في المنظور المتوسط والبعيد بديلاً طرحه السيد حسن نصرالله منذ شهور وهو التوجه شرقاً لإحلال الاقتصاد الإنتاجي بالتوازي مع نظام آمان إجتماعي كبديل عن الاقتصاد الريعي المرتبط بعتاة النيوليبرالية والتوحش الاقتصادي .

في المرحلة المنظورة القادمة سيبدأ البنزين والمازوت الإيراني ومعه الدواء من ايران وسورية بالوصول الى لبنان وكما وعد السيد سيباع بالليرة اللبنانية وباسعار اقل بكثير ممّا يرغب به كارتيل النفط الحالي .

في المرحلة المنظورة الأولى قد تكون الكميات اقل ممّا يحتاجه السوق نظراً للتعقيدات اللوجستية المرتبطة بنقل المحروقات وتوزيعها في الداخل اللبناني حيث ستكون عملية التوزيع في مناطق بيئة المقاومة سهلة ومعقدة بعض الشيء في المناطق الأخرى التي ستشهد بتقديري مطالبة شعبية بتعميم التوزيع وهو ما يمكن اعتباره مقدمة للخروج من الصدمة الأميركية وإلغاء مفاعيلها بالتدريج .

وان كان الأمر المرتبط بتخفيف وقع الصدمة يحتاج الى خوض معركة اقتصادية تنطبق عليها بمواجهة الأميركي والإسرائيلي نفس قواعد وقوانين المعركة العسكرية ضمن قواعد الإشتباك الحالية ، فالأمر في الداخل يحتاج الى استكمال مسار الصبر والبصيرة باعلى مستوياته لتحقيق النقلة النوعية الأولى في تاريخ لبنان وهي تحقيق السيادة بمعناها الضمني في السياسة والإقتصاد .

كل ما هو مطلوب الآن هو البدء بتحقيق وعود السيد حسن نصرالله ضمن مسار ممنهج وتدريجي لتبدأ مفاعيل الهجمة الأميركية بالتساقط وربما الضغط والتعجيل بعقد تسوية سياسية تحفظ لأميركا واتباعها القدماء والجدد بعض المكتسبات بدل السقوط الكامل والمريع للمشروع وهذا دونه مصاعب وربما مخاطر كبيرة قد تجرنا الى حرب كبيرة هي ناتج متوقع لحماقة العقل الإستكباري لا تريدها المقاومة والمحور ولكنها لا تخشاها وتنتظرها كل يوم .

 

 

 

Exit mobile version