كتب عمر معربوني | لماذا اختارت روسيا حرب الخنادق وهل ستستمر بذلك بعد تحرير ارتيوموفسك “باخموت”؟

عمر معربوني | خبير عسكري ـــ خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية
.. وأخيراً سيطر الجيش الروسي على مدينة “ارتيوموفسك” ـ (باخموت) بعد معارك طويلة استمرت طالت مدتها أكثر من أي مدينة أخرى أكبر منها بكثير كمدينة “ماريوبول” و”سيفيرودونيتسك” و”ليسيتشانسك”.

وهنا يبرز السؤال المنطقي، لماذا استغرق تحرير “ارتيوموفسك” كل هذا الوقت؟ ولماذا يعتمد الجيش الروسي منذ منتصف عام 2022 حرب الخنادق والهجمات المحدودة؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بدّ من استعراض ما يحيط بالعملية العسكرية الروسية، وعلى رأسها الحرب الإعلامية والنفسية التي يخوضها الغرب الجماعي .

استطاعت منظومة اعلام الغرب الجماعي ان تروّج صورة لروسيا مختلفة تماماً عن الحقيقة، مستخدمة في ذلك مئات الفضائيات وعشرات الآف الصحف والمواقع الإلكترونية، حيث تعمل هذه المنظومة في الليل والنهار على ترويج مسألتين:

1ـــ المسألة الأولى وهي الروسوفوبيا (رهاب روسيا)، ومحاولة ترسيخ صورة لروسيا ملازمة للبطش والإرهاب والتوحش.

2ـــ المسألة الثانية هي ابراز صورة مخادعة بترويج مقولة هشاشة أكبر ثاني جيش في العالم، وإبراز ضعفه وعدم قدرته على تحقيق الإنتصار وانّ دولة كأوكرانيا قادرة على تحقيق الهزيمة بوحداته.

مع بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة، ونحن نكتب اسم العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا كاملاً مع التأكيد على كلمتين وهما: “العملية” و “الخاصة”، فالخبراء الذين يمتلكون قواعد علم الإستراتيجيا يعلمون انّ للكلمتين مدلول محدّد ومستوى يتجاوز عمليات الإغارة ويقّل عن عمليات الحرب.

اذن وللتأكيد فإن روسيا حتى اللحظة تنفّذ عملية عسكرية خاصة بأهداف مُعلنة ومحدّدة حقّقت جزءاً كبيراً منها، ولا تزال تعمل على تحقيق ما تبقى، علماً ان ما تحقّق حتى اللحظة هو جزء كبير من أهداف العملية.

تنفّذ روسيا العملية العسكرية الخاصة في ظل أكبر حملة تضليل إعلامية معادية، وفي ظل أكبر عمليات دعم عسكري من الغرب الجماعي لأوكرانيا، والهدف هو استنزاف روسيا اولاً وتحقيق الهزيمة فيها ثانيا والعمل على تفكيكها ثالثاً.

ولأن الهدف هو استنزاف روسيا قرّرت القيادة الروسية اعتماد نمط الدفاع من الثبات لتحقيق الإستنزاف المضاد.

في بداية العملية العسكرية، اندفعت الوحدات الروسية في عمليات سريعة، واستطاعت خلال شهرين ان تسيطر على غالبية مساحات مقاطعتي زاباروجيا وخيرسون، وان تحرر كامل جمهورية لوغانسك، واقسام هامة على صغر مساحتها من جمهورية دونيتسك، حيث تدور على ارضها معارك كسر العظم الكبرى .

عند وصول الوحدات الروسية الى خط الدفاع الأوكراني الذي استغرق بناءه 8 سنوات كاملة، والذي يُطلق عليه الأوكرانيين خط القلاع، اصطدم الجيش الروسي بمقاومة استثنائية من القوات الأوكرانية المحصّنة بشكل جيد، فاوقفت عمليات الهجوم بسبب الخسائر في الجنود والمعدات، وانكفأت الى الضفة الشرقية لنهر الدنيبر في مقاطعة خيرسون، وكذلك تحصنت خلف نهري “اوسكول” و”سيفردونيتسك” في قطاعي لوغانسك ودونيتسك، وبدأت باعتماد تكتيك تحطيم خط الدفاع الأوكراني حيث كانت البداية بتحرير مدينة “سوليدار”، ومن ثم توسيع العمليات نحو “ارتيوموفسك” ــ (باخموت) التي تمت السيطرة عليها بشكل كامل ، وبذلك يمكن القول حالياً ان قطاعاً واسعاً من خط الدفاع الأوكراني الحصين يمتد من شمال مدينة سوليدار حتى جنوب “ارتيوموفسك” بات تحت السيطرة الروسية، وهو بمثابة نقطة ارتكاز واسعة وهامة ستكون بمثابة نقاط انطلاق في اتجاهات مختلفة ضمن مسارات مخطط لها بدقة، ستشمل عمليات لاحقة تطال النسق الثاني من خط الدفاع الأوكراني.

لكن الأولوية برأينا الآن هي استكمال العمليات في مدن “افدييفكا” و”مارينكا” و”اوغليدار”، وهي نقاط مهمة اذا ما تمت السيطرة عليها يصبح بوسعنا القول ان خط الدفاع الأهم من خطوط الدفاع الأوكرانية قد انتهى، وهو ما سيمكن الجيش الروسي من اطلاق عمليات واسعة نحو مدن “كوبيانسك” و”كراماتورسك” و”سلافيانسك”، وتحسين شروط التموضع على محاور مختلفة تمهيداً لبدء عمليات هجومية أوسع.

حتى انجاز المهام المذكورة أعلاه اعتقد ان نمط حرب الخنادق والعمليات الهجومية المحدودة سيستمر أقله في الشهرين القادمين.

المصدر | العهد الاخباري

https://www.alahednews.com.lb/article.php?id=54154&cid=175

Exit mobile version